يعد اقتصاد المعرفة فرعاً جديداً من فروع العلوم الاقتصادية، ويقوم على فهم جديد أكثر عمقاً لدور المعرفة ورأس المال البشري في تطور الاقتصاد وتقدّم المجتمع.
يرى كثير من الاقتصاديين، أن فكرة الاقتصاد المعرفي وتشجيعه، هي من أهم دعائم عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية والمتقدّمة على حدّ سواء، ذلك لما يلعبه من دور هام في دفع عجلة النمو الاقتصادي بشكل عام، وزيادة دخل الفرد من خلال رفع تنافسية السلع والخدمات بشكل خاص، وحاليّاً تشهد معظم الدول العربية نهضةً معرفيّةً متميزةً، تستند على البحث العلمي وتوليد وتطوير المعرفة والاستفادة منها لإيجاد تنمية وطنية قابلة للاستدامة، والارتقاء بمكانة المجتمع العربي ودوره الحضاري وزيادة نمو اقتصاده، ومن ثم تحسين المستوى المعيشي للمواطن. ويعد اقتصاد المعرفة فرعاً جديداً من فروع العلوم الاقتصادية، ظهر في الآونة الأخيرة، ويقوم على فهم جديد أكثر عمقاً لدور المعرفة ورأس المال البشري في تطور الاقتصاد وتقدّم المجتمع.
والمعرفة ليست بالأمر الجديد، فقد رافقت الإنسان منذ تفتّح وعيه، ورافقته من مستوياتها البدائية حتى وصلت إلى ذراها الحالية، إلا أنّ الجديد اليوم، هو حجم تأثيرها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وعلى نمو حياة الإنسان عموماً، وبحسب تعبير "ألفن توفلر"، فقد شهد الربع الأخير من القرن العشرين أعظم تغيير في حياة البشرية، وهو ما يدعى التحوّل الثالث أو الثورة الثالثة بعد الثورتين الزراعية والصناعية، وتتمثّل بثورة العلوم والتقانة فائقة التطور في المجالات الإلكترونية والنووية والفيزيائية والبيولوجيّة والفضائيّة. وكان لثورة المعلومات والاتصالات دور الريادة في هذا التحوّل، ومكنت الإنسان من فرض سيطرته على الطبيعة، ولقد باتت المعلومات مورداً أساسياً من الموارد الاقتصادية له خصوصيته، بل المورد الاستراتيجي الجديد في الحياة الاقتصادية المكمّل للموارد الطبيعية[1].
واقتصاد المعرفة، هو الاقتصاد القائم على الاستثمار في رأس المال الفكري من خلال تطوير وإصلاح منظومة التعليم والتدريب والبحث والتطوير في بيئة تقنيّة معلوماتية، توظف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتدعم وتشجع اكتساب ونشر وإنتاج المعرفة، في ظل نظام محكم من التقويم والمساءلة والمشاركة المجتمعية. ومما زاد من مبررات التحول إلى الاقتصاد المعرفي وزيادة أهميته، هو النمو السريع للمعرفة، وظهور فروع علمية جديدة، فضلاً عن ظهور تكنولوجيا ومنتجات جديدة، واتساع نطاق المعرفة، فلم تعد أمريكا والغرب يسيطرون على هذا المجال، وإنما شاركتهم دولٌ كثيرة أهمها اليابان والهند ودول جنوب شرق آسيا[2].
ومصدر الطاقة في اقتصاد المعرفة هو العقل الذي يُعدّ أداةَ ابتكار وإبداع، والهدف من هذا الاقتصاد هو النمو الشخصي الذي يقود صاحبه إلى التميز والتفرّد عمّن حوله، بما يحققه من مكاسب قد تكون هائلة جداً، وقد فرض هذا الاقتصاد الجديد طائفةً جديدةً من ألوان النشاطات المرتبطة بالاقتصاد والمعلومات، ومن أهم ملامحها التجارة الإلكترونية والتعليم الإلكتروني. كما أن هذا الاقتصاد هو نمط جديد مختلف عن الاقتصاد التقليدي، من خلاله تتحول المعلومات إلى أهم سلعة في المجتمع، بحيث يتم تحويل المعارف العلمية إلى شكل رقمي، وبهذا أصبح تنظيم المعلومات وخدمات المعلومات من أهم العناصر الأساسية في الاقتصاد المعرفي، كما تعتبر تقنية المعلومات ورأس المال الفكري القوة المحركة لهذا النوع من الاقتصاد[3].
الاقتصاد المعرفي نقطة تحوّل
تعتبر المعرفة نقطة انطلاق رئيسية للتربية، وظهور اقتصاد المعرفة حمل معه تحولات تربوية كبرى، أهمها التحول من التّعلم لاستهلاك المعرفة إلى التعلّم لإنتاجها وابتكارها. ففي عصر اقتصاد المعرفة أصبح نجاح النّظم التعليمية رهناً بقدرتها على إعداد كوادر بشرية مؤهلة، تشارك في زيادة معدلات الإنتاج والاستثمار، وتسهم في بناء صرح التحضّر العلمي، ورفد دعائم التقدم والنماء. لهذا كانت ولاتزال المؤسسات التعليمية هي المصانع لإنتاج المعرفة ولزيادة رأس المال الفكري، إلا أنه في عصر اقتصاد المعرفة زادت أهمية المعرفة كمصدر حقيقي للثروة، وزادت أهمية التعليم النوعي لمواكبة متطلبات العصر. وقد تواترت الدراسات العربية على أن الجهد المعرفي في العالم العربي يحتاج على مستوى المدرسة إلى نقلتين نوعيتين أساسيتين هي التحول من المعرفة التقليدية إلى التفكير النقدي التشاركي، والتحول من التفكير المقيّد إلى التفكير المنطلق، ومن التصلب الذهني إلى الفكر المرن المنفتح على تعدّد الاحتمالات وتمازجها وتلاقيها أو تناقضها[4].
التعليم الإلكتروني
بدأ مصطلح التعلم عن بعد بالظهور مع بداية ما يعرف بالتعليم عن طريق المراسلة، والتعلّم عن بعد فكرة عالمية قديمة نشأت في بريطانيا منذ مئة عام تقريباً، وانتقلت إلى أمريكا وكندا وأستراليا وغيرها من دول العالم، وهي جزءٌ مشتقّ من الدراسة الإلكترونية، وفي كلتا الحالتين فإن المتعلم يتلقى المعلومات من مكان بعيد عن المعلم (مصدر المعلومة)، وتعتبر المملكة المتحدة من الدول المتقدّمة في استخدام أنظمة التعلم الإلكتروني، وللحكومة البريطانية دور بارز في الإشراف على التعليم عموماً والتعليم الجامعي. وقد أعدّت هيئة دعم التعليم العالي في إنكلترا خطةً استراتيجيةً للتعلم الإلكتروني، تأسست منذ عام 2002 كبرنامج مشترك بين جامعة "هيريوت وات" وهيئة تطوير الاقتصاد المحلي في اسكتلندا، حيث يدير البرنامج فريق يجمع بين النواحي الأكاديمية والخبرة الاقتصادية، وقُدّم له الدعم لتكون الجامعة أنموذجاً متميزاً دولياً، وقد شمل التعاون أكثر من عشرين دولة في العالم، يدرس فيها أكثر من ستين ألف طالب وطالبة.
وكذلك تعتبر كندا من الدول الرائدة في التعلم الإلكتروني والتعلم عن بعد، حيث بدأت اللجنة الاستشارية للتعليم الإلكتروني ببرنامج أطلقت عليه (طفرة التعليم الإلكتروني في الكليات والجامعات: التحدي الكندي)، وركز البرنامج على استخدام التعليم الإلكتروني في التعليم العالي عن طريق زيادة المرونة ورفع كفاءة البرامج التعليمية الإلكترونية في مؤسسات التعليم العالي، والآن تعتبر كندا مثالاً لدمج التعليم الإلكتروني في التعليم العالي.
أما السويد فتعتبر من أكثر الدول تقدماً في هذا المجال، وتمتلك بنيةً تحتيةً قويةً، وتستخدم تقنيات عالية، وقد سبقت الكثير من الدول، لذلك تعتبر رائدةً وقياديةً في هذا المضمار. والأمر ذاته ينطبق على ماليزيا أيضاً. لكن تجارب الدول العربية لا زالت حديثة، تأتي في مقدمتها مصر ولبنان والجامعة الافتراضية السورية، والجامعة العربية المفتوحة في كل من الكويت والسعودية التي تنفذ منهجية الجامعة البريطانية المفتوحة[5].
الاستثمار في التعليم
تعتبر إعادة هيكلة الإنفاق العام وترشيده وإجراء زيادة حاسمة في الإنفاق المخصص لتعزيز المعرفة ابتداءً من المرحلة الابتدائية، وصولاً إلى التعليم الجامعي، من أبرز المستلزمات لاقتصاد المعرفة، مع توجيه مركّز للبحث العلمي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن انفاق الولايات المتحدة في ميدان البحث العلمي والابتكارات، يزيد عن إنفاق الدول المتقدمة الأخرى مجتمعةً، ما يساهم في جعل الاقتصاد الأمريكي الأكثر تطوراً وديناميةً في العالم. وهذا يعني ضرورة العمل على خلق وتطوير رأس المال البشري بنوعية عالية. فالاستثمار فيه يعدّ من أهم مصادر النمو الاقتصادي، حيث ربطت الدراسات الاقتصادية تحقيق نمو اقتصادي مستمر بالاستثمار في رأس المال البشري من خلال التعليم سواء التقليدي أو الإلكتروني وعن بعد. وركزت نظريات النمو الاقتصادي الحديث على أهمية الاستثمار في التعليم للنمو الاقتصادي، ودعت إلى الاستثمار فيه بجميع مراحله لتحقيق عائد مرتفع للاقتصاد المحلي، ونمو اقتصادي مستمر. ويعد الاقتصادي "ألفرد مارشال" من أوائل الاقتصاديين الذين أشاروا إلى القيمة الاقتصادية للتعليم، حيث أكد أن أكثر أنواع الاستثمارات الرأسمالية قيمةً ما يُستثمر في البشر. أما "وليم بيتي" فقد حاول قياس رأس المال البشري، وطالب الاقتصاديين من بعده بتخصيص رؤوس أموال كبيرة للتعليم، كذلك "كارل ماركس" أكد على علاقة التعليم بالتنمية الاقتصادية، وعلى أهمية التعليم والتدريب في زيادة وترقية مهارات العمل[6].
الصين نحو المستقبل
هيكل المفاهيم الذي قدمته الثقافة التقليدية وأسلوب التفكير والإنتاج والحياة في المجتمع التقليدي، قيّد وأعاق تطور العلوم والتكنولوجيا الصينية، حيث كانوا يقبعون في عصر ما قبل العلم، لكن لاحقاً ومع تدفق تيار العلوم الغربية، أظهر الصينيون قبولاً للعلوم والتكنولوجيا الحديثة واستيرادها، وبدأت تؤسس جيلاً من المثقفين الذين استخدموا أجهزة معارف العلوم الحديثة. وقد ساهمت الحركة الثقافية في تعميم الوعي العلمي والمفاهيم العلمية والروح العلمية في كافة أنحاء المجتمع، وبعد حركة (4 مايو 1919) أحرزت الصين تطوراً وتقدماً كبيراً، ودخلت في نطاق الهيكل الشامل لتطوير العلوم والتكنولوجيا المهمة. وفي العام 1988 بلغ عدد الفنيين العاملين في مجال العلوم الطبيعية في الوحدات المملوكة للشعب تسعة ملايين وستمئة ألف فني. كما اقتربت الصين من المستوى المتقدم العالمي في مجال تكنولوجيا الطاقة الذرية وعلوم الأحياء والطاقة العالمية في الفيزياء وتكنولوجيا الأقمار الصناعية للاتصالات. فالعلوم الحديثة في الصين قامت بتغيير العلاقة بين الإنسان والطبيعة من خلال زيادة قدرة البشرية على قهر الطبيعة وتغيير فهم الناس وتأثرهم بها. ويعتبر القرن العشرين عصر تقدم الصينيين نحو العلوم الحديثة واستيعابها. لقد تغلغلت روح العلوم الحديثة في عالم إدراكهم، وأصبحت المبدأ الأساسي لدائرة وعي حياتهم ووجهة نظرهم إلى العالم[7].
----
المراجع:
[1] التعليم المبني على اقتصاد المعرفة، د. بسام عبد الهادي عفونة، دار البداية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2012، ص 22 -23
[2] المرجع السابق ص 33 – 35
[3] التعليم الإلكتروني في عصر الاقتصاد المعرفي، أ. مصطفى يوسف كافي، دار رسلان للطباعة والنشر والتوزيع 2009، ص 140
[4] التعليم المبني على اقتصاد المعرفة، مصدر سابق، ص 43
[5] التعليم الإلكتروني في عصر الاقتصاد المعرفي، مصدر سابق، ص 103 حتى ص 107
[6] المصدر السابق ص 110 – 117 – 143
[7] الصينيون المعاصرون، الجزء الأول، وو بن، ترجمة عبد العزيز حمدي 1996، ص 191 -192 194