كثيراً ما تعالج القضايا التي تتفشى خلال فترة المراهقة بطرق غير مناسبة، فتخلق مشكلات صحية ونفسية ومجتمعية عميقة، إن لم تعالج في وقتها، وقد ترافق هؤلاء الأشخاص إلى سن متقدمة. ولعل أبرز الأزمات التي يواجهها المراهقون هي المشاكل العاطفية والسلوكية والبدنية.
وفقاً لآخر دراسة صادرة عن منظمة الصحة العالمية، فإن العنف، بما في ذلك المعاملة القاسية من الأب والأم والمضايقة، والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، هي مخاطر معترف بها على الصحة النفسية، وقد تظهر الاضطرابات العاطفية كنوع من الاكتئاب أو القلق، والشعور بسرعة الانفعال أو الإحباط أو الغضب.
وتبين الدراسة أن الاضطرابات السلوكية عند الأطفال هي ثاني الأسباب الرئيسية لحدوث المرض بين صغار المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 سنوات و14 سنة، إذ تظهر لدى المراهقين الأصغر سناً أعراض ذات طبيعة بدنية ناجمة عن أسباب نفسية مثل آلام المعدة والصداع والغثيان.
منهجيات وأدلة
طب الأحداث، هو التخصص الفرعي الطبي الذي يركز على رعاية المرضى الذين هم في مرحلة المراهقة والبلوغ والتي تتراوح عادة من السنوات الأخيرة من المدرسة الابتدائية حتى التخرج من المدرسة الثانوية. ويدخل المرضى سن البلوغ والذي عادة ما يبدأ بين سن 9-11 للبنات، و11-13 للأولاد.
يؤكد الدكتور والباحث فراس الحسين مسؤول برنامج صحة المراهقين في وزارة الصحة أن فترة المراهقة تختلف بين الأفراد والبيئات، الأمر الذي تطلب المزيد من البحث والدراسة وصولاً إلى الاستراتيجية الوطنية للنساء والأطفال والمراهقين والتي تعتبر جزءاً من التزامات وزارة الصحة السورية نحو تحقيق الأهداف الصحية لهذه الشريحة؛ بحيث تكون مستندة على أفضل المعلومات والأدلة المتاحة وبالاعتماد على الأبحاث والمنهجيات المتبعة في تحضير الاستراتيجيات الوطنية من تحليل للواقع بالتشاركية مع كل من الجهات الوطنية الرسمية والأهلية والمنظمات الدولية.
تدابير ضرورية
واستناداً إلى ملخص نتائج تحليل واقع الدراسة المتعلقة بصحة المراهقين، يبين الدكتور الحسين: أنه تم وضع الهدف الخاص المتمثل بتأمين خدمات صحة المراهقين بتكاملية وجودة عالية تضمن الوصول إليهم من خلال: دمج وتكاملية الخدمات الصديقة للمراهقين ضمن خدمات الرعاية الصحية في المراكز الصحية والذي يتضمن: تفعيل إجراءات التصنيف والتدبير لاضطرابات النمو والبلوغ والاضطرابات التغذوية لدى المراهقين ضمن العيادة، توفير خدمة المشورة النوعية لتعزيز صحة المراهقين ضمن المركز الصحي وخلال الفعاليات المجتمعية المتمثلة بالصحة الإنجابية والجنسية والتغذية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، فعاليات للتوعية تساهم في وضع استراتيجيات تعديل وتدبير السلوكيات الخاطئة والعنف بالشراكة مع الجهات ذات العلاقة، وتوفير خدمات متخصصة لحالات ضحايا العنف في سن المراهقة، تعزيز الدور المجتمعي والتشاركية مع أصحاب العلاقة والمراهقين أنفسهم من خلال الحملات والمبادرات المجتمعية
التأثرات الصحية
اعتلالات عديدة قد تصيب المراهقين ومنها الأمراض الجلدية المتمثلة بحب الشباب واضطرابات الأكل مثل فقدان الشهية العصبية أو النهام العصبي. وتشير التقديرات العالمية إلى أن 10 إلى 20% من المراهقين يعانون من اعتلال الصحة النفسية. يقول الدكتور فراس الحسين أنه من أكثر الأمراض النفسية التي قد ترافق المراهقين هي اضطرابات الشخصية، واضطرابات القلق، والاكتئاب الشديد، وأنواع معينة من مرض انفصام الشخصية الأمر الذي يحتاج للتنسيق مع مستشارين في الصحة النفسية للأطفال المتخصصين في الرعاية الصحية للمراهقين. كما أن التأخر في البلوغ أو البلوغ المبكر يحتاج لمتابعة مع أطباء الغدد الصماء.
يرى الحسين أن هناك عوامل تسهم في الإصابة بالإجهاد خلال فترة المراهقة، مثل الرغبة في الحصول على قدر أكبر من الاستقلالية والضغط المفروض من أجل التوافق مع الأقران واستكشاف الهوية الجنسية وزيادة فرص الوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها. فهناك مرحلة يشعرون المراهقون أنهم بالغون بالفعل، لكن في واقع الأمر، هم لا يزالون أطفالًا. ولكن مع التغيرات الهرمونية والكثير من الأمور التي تحدث في أجسامهم، يكون من الصعب عليهم التعامل مع كثير من المواقف على النحو المناسب. وبالتالي هم في هذه المرحلة، يمرون بمرحلة حرجة للغاية من حياتهم، فهم بحاجة إلى آبائهم ومعلميهم لرعايتهم والاهتمام بهم ومنحهم الشعور بالانتماء، دون أن يطالبوا بذلك أبداً. لأنه في حال حدوث العكس وشعر المراهقون أن آباءهم ومعلميهم لا يساندونهم، وينتقدونهم باستمرار، ويعاقبونهم دائماً، ويصدرون أحكاماً على كل خطوة من خطواتهم دون وجود حوار حقيقي بينهم، فسوف يشعرون بعدم الانتماء وهم داخل منازلهم ومدارسهم.
أبرز أزمات المراهقة
تتفق الدراسات المنهجية التي ناقشت مرحلة المراهقة، على أبرز العوامل التي تؤثر في سلوك المراهقين وخاصة المتعلقة بالتغيرات الجسدية المرافقة للبلوغ، إذ يمكن أن تتسبب التغيرات الجسدية والهرمونية في تكوين صورة مشوهة لدى المراهق عن جسده، كما تتسبب التغيرات الهرمونية في حدوث تقلبات مزاجية حادة. وكذلك حاجتهم إلى إثبات أنهم أصبحوا بالغين وأنهم بحاجة إلى أن يكونوا مستقلين، مما قد يتسبب في تمردهم على القواعد. وكذلك الأشياء التي قد تحدث بالمنزل مثل الغيرة الأخوية، النزاعات الأسرية، مواجهة الصعوبات المالية. وهناك أشياء تحدث في المدرسة مثل الأعباء الدراسية، التنمر، الرفض أو الإقصاء من قبل الأصدقاء أو زملاء الفصل، وما إلى ذلك. وخاصة عندما لا يملك المراهق القدرة على التعبير عن مخاوفه وقلقه أو ما يعاني منه خوفاً من النقد أو المعاقبة. وعليه يتبين ضرورة اتباع الآباء خطوات معينة من أبرزها اختيار اللحظة المناسبة للحديث مع أطفالهم وإظهار الاهتمام بما يقولونه وتجنب مقاطعتهم حتى الانتهاء من حديثهم. كما يجب عليهم تجنب إصدار الأحكام وإلقاء المحاضرات عليهم إذا قالوا أنهم ارتكبوا خطًأ ما، فقد يمنعهم ذلك من إخبار آبائهم.