ابن الشاطر هو أحد أبرز الفلكيين المجددين وعمالقة العصر الفلكي، اسمه مصنف ضمن أفضل مئة عالم غيروا وجه البشرية وأثروا فيها، كان رائد نظرية النظام الشمسي وعبقري علم الفلك، ومبتكر أول ساعة لحساب الوقت طوال العام، وقام بتصحيح نظرية بطليموس، حيث ابتكر المرصد الفلكي والأدوات المستخدمة في القياس الحسابي وإسطرلاباً لايزال موجوداً في مكتبة باريس الوطنية. لقب بأسماء عدة كابن الشاطر والمطعم، والمؤقت والعلامة.
هو أبو الحسن علاء الدين علي بن إبراهيم بن محمد بن حسان بن ثابت الأنصاري الدمشقي المولود في أواخر عهد الأيوبيين عام 704 هـ/ 1304م بدمشق، وكان أبوه مؤذناً بالمسجد الأموي، وكان جده كبيراً للمؤقِّتين لمواقيت الصلاة بهذا المسجد، مهتم بحركات الشمس وبزوغ النجوم ومغيبها وانتشار أضواء الفجر الكاذبة والصادقة الطولية منها في الأفق والمستعرضة، لتحديد مواقيت الصلاة مع حركة النجوم. توفي والده وكان لايزال طفلاً فرعاه جده وتعلم منه علم التوقيت، كما سمي "بالمؤقِّت" لتوليه أعمال التوقيت بالجامع الأموي، حيث كان يعمل لفترة طويلة من حياته مؤذناً ثم رئيساً للمؤذنين، كما لقبه كثير من علماء عصره بالعلاّمة. وبعد وفاة جده كفله ابن عم أبيه وزوج خالته الذي علمه فن تطعيم العاج، فلقب "بالمطعِّم" أو "الفلكي المطعِّم" لاشتغاله بمهنة التطعيم بالعاج في صباه، وقد كون ثروة كبيرة مكنته من زيارة عدد من البلدان كمصر والعراق، حيث درس في القاهرة والإسكندرية علمي الفلك والرياضيات، كما اكتسب مهارة في صنع الآلات والمعدات الفلكية، وتلقى في دمشق علوم الفلك والرياضيات من ابن عم أبيه وزوج خالته أبي الحسن بن الحسين بن إبراهيم بن يوسف الشاطر، واكتسب تسميته "ابن الشاطر" من هذا الرجل. كما درس الأعمال الفلكية لمن سبقوه "كقطب الدين الشيرازي" و"عمر الخيام" و"مؤيد الدين العرضي الدمشقي"، و"محيي الدين المغربي" و"الحسن بن الهيثم"، واستفاد كثيراً من مدرسة "مراغة" التي كان يرأسها "نصير الدين الطوسي" في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين. كما ترجم كثيراً من أعمال اليونان وغيرهم ، وقدم ملاحظاته النقدية عن الفلك القديم بصفة عامة.
قضى "ابن الشاطر" ردحاً من الزمن في مصر لدراسة علوم الفلك والرياضيات، حتى برع في الهندسة والحساب ولمع في الفلك وابتكار وصناعة آلات الرصد وواصل جهود الفلكيين السابقين، وطور ما توصلوا إليه، وأضاف إليه من ابتكاراته، وكان يجري أرصاده في مرصد سورية.
أهم إنجازاته
قام العالم الفلكي "ابن الشاطر" بصناعة ساعة شمسية لضبط وقت الصلاة سماها "الوسيط" وضعها على إحدى مآذن الجامع الأموي، وقام بتصحيح نظرية "بطليموس"، كما سبق الفلكي "كوبرنيكوس" فيما توصل إليه بقرون عدة، ونشر ذلك في كتابه "نهاية السؤال في تصحيح الأصول"، وقد صحح المزاول الشمسية التي بقيت تتداول لعدة قرون في كل من بلاد الشام وأرجاء متعددة من الدولة العثمانية. قام بتأليف كتب تحتوي على نظريات فلكية بناء على توجيهات السلطان العثماني مراد الأول ومن ذلك قياسه زاوية انحراف دائرة البروج ، وتوصله إلى نتائج دقيقة جداً.
أجرى الفلكي ابن الشاطر أرصاده في مرصد دمشق، وكانت أفكاره النقدية والابتكارية محصلة لتجاربه ونتائجه العلمية الفعلية، وليست حساباته النظرية فقط، ونجح في قياس زاوية انحراف دائرة البروج بدقة كبيرة، حيث قدَّرها بـ 23 درجة و31 دقيقة.
وفي هذا الشأن يقول جورج سارتون: إن الفلكي ابن الشاطر عالم فائق في ذكائه، فقد درس حركة الأجرام السماوية بكل دقة، وأثبت أن زاوية انحراف دائرة البروج تساوي 23 درجة و31 دقيقة سنة 1365 علماً بأن القيمة المضبوطة التي توصل إليها علماء القرن العشرين بواسطة الآلات الحاسبة هي 23 درجة و31 دقيقة و19,8 ثانية، كما برهن ابن الشاطر بفضل الأرصاد التي قام بها، على عدم صحة نظرية بطليموس. وقال بأن الأرض تدور حول الشمس، والقمر يدور حول الأرض. وهذا هو الاكتشاف الذي توصل إليه كوبرنيكوس بعد عدة قرون، حتى تم تصنيف ابن الشاطر ضمن أفضل مائة عالم غيروا وجه البشرية وأثروا فيها. كما قام ابن الشاطر بتجميع جداولاً تعمل على الربط بين الوظائف الفلكية المقاسة وبين مواعيد الصلاة، هذه الجداول؛ اعتمد فيها على خط عرض لمنطقة تقع شمال دمشق وتعطى بالدرجة (34)، حيث يستفاد منها في تحديد موعد شفق شروق الشمس وغروبها، هذا بالإضافة إلى تحديد موعد صلاة الظهر.
كما صنع ابن الشاطر ساعةً شمسيةً صغيرة أسماها بـ (اليَواقيت)، أي جمع ياقوتة، والتي تعرف عالمياً بـ (صندوق الجوهرة) هذه الساعة ساعدت المؤذن على تحديد موعد صلاة الظهر والعصر، وكان وجهها صوب القبلة في مكة المكرمة. وأكثر ما اشتهر به ابن الشاطر في زمانه هو صنعه للإسطرلاب وتعليم استعماله، كما أنه قد عمل على تطويره، بالإضافة إلى اثنين من الأرباع الفلكية والمثلثية الأكثر استعمالاً في حسابات الفلك وقياسه.
أهم مؤلفاته
ألف ابن الشاطر حوالي ثلاثين كتاباً لا يزال أغلبها مفقوداً، ومن مؤلفاته التي أشار "الزركلي" إليها في كتابه "الأعلام" نذكر: "الزيج الجديد" الذي كتبه بطلب من الخليفة العثماني مراد الأول الذي حكم الشام ما بين 1360 و1389م. وقد قدم فيه ابن الشاطر نماذج فلكية قائمة على التجارب والمشاهدة والاستنتاج الصحيح، ويشرح أستاذ تاريخ الرياضيات بجامعة حلب "سامي شلهوب" معنى كلمة (الزيج) بأنها تعني انسجام خطوط الطول مع العرض كنسيج، وهو أمر يفيد في معرفة أماكن وجود الكواكب في السماء والأبعاد بينها، حيث تُسجّل نتائج الأرصاد في الزيج. وهنا يشير أستاذ تاريخ العلوم الأساسية بجامعة حلب "فؤاد عليوة" إلى أن الفلكي "ابن الشاطر" بنى الزيج الجديد على قواعد رياضية ومنهجية علمية صحيحة، فقد وضع جداول تحتوي على حسابات عددية استنتجها من قوانين رياضية اعتمد فيها على خبرته في علوم الحساب والهندسة.
في أشهر كتبه "نهاية السؤال في تصحيح الأصول"(مخطوطة) نشرت في مكتبة إكسفورد، انتقد فيها "ابن الشاطر" النظام الفلكي البطلمي، ورفض أفكار بطليموس وغيره من علماء الإغريق حول الشمس والقمر والنجوم والكواكب، واقترح بدلاً من ذلك أنموذجاً فلكياً جديداً، كما سعى "ابن الشاطر" لإنتاج أنموذج أكثر توافقاً مع الملاحظات التجريبية وعمليات الرصد الفلكي. ويمكن أن نقول إن أعماله تمثل نقطة تحول في علم الفلك، إذ تُعد ثورة علمية قبل عصر النهضة. ومن كتبه أيضاً "إيضاح المغيب في العمل بالربع المجيب"، "أرجوزة في الكواكب"، "رسالة في الإسطرلاب"، "مختصر العمل بالإسطرلاب"، "النفع العام في العمل بالربع التام"، "رسالة نزهة السامع في العمل بالربع الجامع"، "رسالة كفاية القنوع في العمل بالربع المقطوع".
آراء العلماء فيه
وكتب المستشرق الدكتور ديفيد كينغ مقالة ونشرها في (قاموس الشخصيات العلمية) في عام 1370 هـ/1950م، أكد فيها أن كثيراً من الأفكار المنسوبة إلى كوبرنيكوس قد استمدها من الفلكي "ابن الشاطر"، وأكد هذا أيضاً العثور على مخطوطات عربية في بولندا موطن كوبرنيكوس في عام 1393هـ/1973م، اتضح فيها أن كوبرنيكوس كان على اطلاع بإنجازات العلماء المسلمين، وكان يأخذ منها ويدعيها لنفسه، كما تؤكد العديد من المصادر أن كوبرنيكوس درس علم الفلك عند العرب والمسلمين، وتأثر بهم كثيراً وأخذ من علومهم ما استطاع، وإن كان بعض العلماء المعاصرين يرى أن الفكرة الأصيلة هي فكرة "ابن الشاطر"، أما النظرية يصورتها النهائية فهي نظرية "كوبرنيكوس".
ويعد "ابن الشاطر" واحداً من الفلكيين المجددين وعمالقة العصر الفلكي الحديث (القرن السادس عشر الميلادي)، وانتبه العالم إلى هذا الفلكي متأخراً وبالتحديد في أواسط القرن العشرين الميلادي، حيث لفت الفلكي الأمريكي "إدوار كيندي" وطلابه في الجامعة الأمريكية في "بيروت" إلى أن أفكار ابن الشاطر الفلكية وخصوصاً الأنموذج الشمسي، وصرح بأن حسابات كوبرنيكوس ونتائجه هي نفسها حسابات "ابن الشاطر" ونتائجه التي تحصل عليها قبل كوبرنيكوس بنحو قرنين.
تُوفي ابن الشاطر عن عمر يناهز 71 عاماً، قضى منها 51 عاماً في دراسة متأنية، وكتابة ما توصّل إليه من نتائج واختراعات كانت هي الأساس في النهضة العلمية لعلوم الفلك في أوروبا.
----
المراجع
- النظرية والملاحظة في علم الفلك الإسلامي، جورج صليبا: (1987)، ص609-629
- مجلة تاريخ العلم العربي، ابن الشاطر في كتاب الوفاق ملخص فلكي 1977.
- الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، 2002م..