كان لها دور مهم في إدارة الإمبراطورية البيزنطية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، حيث امتلكت رؤية سياسية واسعة، فسعت للتوفيق بين المذهب الأرثوذكسي والمذاهب الدينية المسيحية المنادية بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح ومنهم الأقباط، كما أنها لعبت دوراً مهماً في مسألة حقوق المرأة وكفالتها، إضافة إلى دورها البارز في تجميع القوانين الرومانية فيما عرف بـ قانون جوستنيان، إنها الامبراطورة تيودورا ابنة مدينة منبج السورية.

ولدت تيودورا عام 500 للميلاد وفق العديد من المصادر التاريخية، ابنة مدرب دببة وهي كانت مغنية وتنقلت في المدن السورية والقسطنطينية واستقرت أخيراً في مدينة أنطاكيا بعد أن كبرت وامتهنت مهنة التمثيل الإصلاحي، وهو نوع من أنواع التمثيل الذي يهدف لإصلاح مجتمعي أو ديني حتى أصبحت مشهورة. تعرفت على صديقتها التي كانت تعمل عند الإمبراطور جاستين الذي تعرف عليها وبدأت قصة حب كان من الصعب جداً أن تتوج بزواج كون تيودورا ممثلة وهناك قانون يمنع زواج الأباطرة من الممثلات، إلى أن استطاع الإمبراطور أن يمرر مرسوماً يجيز فيه زواج الإمبراطور من الممثلات الإصلاحيات. وأصبحت تيودورا إحدى أباطرة بيزنطة المحبوبات.

كان لشعبيتها وكونها من العامة نتائج سلبية عليها، حيث حاربها أبناء البلاط والطبقة الحاكمة، كما أن مبادراتها الإنسانية ودعمها للكنائس باستمرار، دفع الكنيسة بعد تلك الشائعات التي بدأت تطالها بأن تعتبرها قديسة.

نشأت تيودورا في بيئة متواضعة وكانت تعمل لتكفل نفسها، حتى يقال إنها لفتت أنظار أحد رجال الدولة فاتخذها خليلة له لمدة سنوات حتى تمكنت من الفرار منه ومرت عبر أراضي الإمبراطورية ومنها مصر حيث عملت في غزل الصوف فترة من الزمن، ثم عادت إلى منبج مدينتها وكانت مركزاً تجارياً ودينياً معروفاً على مستوى العالم الروماني وقتها.

تزوج الإمبراطور جستنيان من تيودورا على الرغم من أنه بلغ 39 أو 40 سنه وتيودورا كانت تبلغ 20 سنة فقط، واستطاع الإمبراطور جستنيان أن يقنع خاله الإمبراطور جستن الأول بأن يصدر قراراً من مجلس الشيوخ بالسماح لأعضاء مجلس الشيوخ (السانتو) بالزواج من بنات الطبقات الدنيا وكان قبل ذلك محرماً. وعند عودة تيودورا من الإسكندرية تزوجها جستنيان سنه 522م وبعد تولي جستنيان عرش الإمبراطورية ظهرت قوة تيودورا وذكاءها مثل موقفها في ثورة نيقيا وأيضًا حبها للخير والعطف على الفقراء. واستطاعت تيودورا أن تقنع زوجها الإمبراطور جستنيان أن يصدر مرسوماً ينص على أن تعتبر المرأة التي تعمل في المسرح وغيرها من هذه الأماكن مساويةً لجميع النساء الأخريات. وجهت تيودورا عنايتها في آخر حياتها لدراسة الدين، وكانت تناقش زوجها في طبيعة المسيح.

كما اختلفت المصادر حول نشأتها، لكن تأثيرها الكبير على مجريات الأحداث في فترة مهمة من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية وإنجازاتها فيما يتعلق بحقوق المرأة، ظلت أوضح من أي خلاف.

وقد حاول مؤرخون لاحقون تشويه صورتها، كما فعل المؤرخ الروماني مؤلف كتاب التاريخ السري، إلا أن كتباً كثيرة أنصفتها، وأشادت بها ككتاب تاريخ متى الرهاوي للمؤرخ السوري متى الرّهاوي.

تحدث المؤرخون السريان عن زواجها بوضوح وصراحة فقالوا: مرّ جوستنيان بمبنج، وهو في طريقه إلى محاربة الفُرس، فبهرته أخبار جمال تيودورا وفضائلها وذكاءها، فقرر الزواج منها، وطلب يدها من والدها، فلم يوافق القسيس على هذا الزواج إلا بعد أن عاهده الملك عهداً وثيقاً بأنه لن يجبرها على تغيير مبادئها الإيمانية. وقد تزوجها ولي العهد بالفعل معانداً كل قواعد القصر التي تمنع زواج العائلة المالكة بعامة الشعب في عام 522م، بل تعامل مع أولادها على اعتبارهم من الأسرة المالكة أيضاً.

كان الدستور البيزنطي يخول لزوجة القيصر جميع الحقوق التي يتمتع بها القيصر نفسه، ولذلك نجد جوستنيان يمنح صلاحيات عظمى لزوجته، فكانت تصدر الأوامر بحسب ما تراه مناسباً، ولها حق في النظر في جميع الشؤون، كما وصفها بعض المؤرخين بأنها كانت إمبراطورة مطلقة الصلاحية، حيث كان لتيودورا فضل واضح في إعانة زوجها على الحكم، فكانت ساعده الأيمن، وأحياناً كانت ترشده إلى أهم الأمور في الحكم والسياسة.

كما أنها من أوائل المدافعات عن حقوق المرأة، وأنها قبل أكثر من ألف وخمسمئة عام، أصدرت قوانين صارمة لحظر الإتجار الجنسي بالفتيات الصغيرات والنساء، وعدلت قوانين الطلاق لصالح المرأة بالنسبة إلى الطلاق حيث ألغت قانون الموافقة المتبادلة، الذي كان يشترط موافقة الزوج والزوجة ليحصل الطلاق، ما سمح للنساء بتطليق أزواجهن وإن رفضوا، كما منعت إجبار الفتيات على الزواج، وعملت على إصدار قانون يتطلب موافقة الفتاة مرتين. الأولى عند الخطبة، والثانية قبل عقد الزواج مباشرة، للتأكد من أنها لم تغير رأيها.

عاشت تيودورا فترة لم تتجاوز نصف قرن ولكنها كانت حافلة بالنشاطات والإنجازات.

----

المراجع

-1000 شخصية عظيمة، إعداد بلانتاجيت سومرست فراي، ترجمة مازن طليمات، دار طلاس، دمشق، 1999.

-تاريخ متى الرهاوي الإفرنج، الصليبيون- المسلمون – الأرمن، دروب ثقافية، 2012.

-صانعو التاريخ، سمير شيخاني، مؤسسة عز الدين للنشر، 2015.