تمتلك المدن الذكية نظاماً متطوراً، وترتكز على التقنيات الرقمية لمتابعة كل مكوناتها وساكنيها وبنيتها التحتية الأساسية.

انتشر مفهوم المدن الذكية التي تقوم على التقنية الحديثة بكافة مفاصل الحياة فيها، وعلى أرض الواقع بدأ تطبيقه، حتى أصبحت هناك في عصرنا الحالي مدن ذكية في كل أنحاء العالم، وكذلك في المنطقة العربية، لكن ملامح هذه المدن تشكلت حتى قبل التطور الرقمي الهائل الذي نشهده اليوم.

المدن الذكية تمتلك نظاماً متطوراً، يعتمد على البنية التحتية، التي ترتكز على التقنيات الرقمية، لمتابعة كل مكوناتها وساكنيها وبنيتها الأساسية من خدمات ومنشآت اقتصادية وصناعية وموارد طبيعية متنوعة، بهدف استغلال هذه الموارد بالشكل الأمثل، وتحقيق رفاهية المواطن، تواكبها جودة عالية في الخدمات المقدمة، وتوفير بيئة مستدامة تدعم الإحساس بالراحة مقرونة بالطمأنينة تجاه المستقبل[1].

ولهذه المدن خصائص تنفرد بها، كالاقتصاد الذكي والحركة الذكية والبيئة الذكية والإنسان الذكي والحياة الذكية والحوكمة الذكية. وترتكز أفكارها على موضوعات الاستدامة وكيفية تطبيقها، وعلى رؤية بيئية واقتصادية وثقافة اجتماعية. وتهدف فيما يتعلق بالجانب البيئي إلى استغلال الموارد الطبيعية المتجددة، والتقليل من استهلاك الموارد الطبيعية محدودة الكمية وخفض كثافة النقل. واقتصادياً تسعى إلى الاستدامة في كل ما يتعلق بهذا الجانب. أما اجتماعياً وثقافياً فتسعى إلى الاندماج المجتمعي، وتحمل المسؤولية والمشاركة الديمقراطية لساكنيها[2].

"دبي" المدينة الذكية

تخطو العديد من دول المنطقة بخطى ثابتة نحو توفير العديد من العناصر التي يتطلبها إنشاء المدن الذكية التي تأخذ سمة التوازن والاستدامة. وبالنظر إلى عناصر الرؤية التنموية للمنطقة والقائمة على مفهوم بناء الإنسان وتنمية المكان وما حققته من مشاريع ضخمة أُنجزت أو قيد الإنجاز، فإن جميعها تسير بتناغم مع مفهوم المدن الذكية، وبعض تلك المشاريع خرجت عن حيز الورق، وأصبحت جلية على أرض الواقع[3].

من هذه المدن مدينة "دبي"، التي تحولت إلى أنموذج يحتذى به عن المدن الذكية، حيث أحدثت ثورة في طرق تقديم الخدمات الحكومية لمواطنيها، من خلال إطلاق العديد من المبادرات الذكية، وما يفوق الألف خدمة ذكية، بالتعاون مع الجهات الحكومية وشركاء في القطاع الخاص، في فترة زمنية لم تتجاوز ثلاث سنوات، أي بين العامين (2015 و 2018). وتمثلت رؤية "دبي" في إنشاء مدينة يتم الاستفادة فيها من جميع الموارد بأعلى درجات الكفاءة؛ حيث تدمج الخدمات بسلاسة في الحياة اليومية، مع الحرص على حماية الناس والمعلومات، وبالتالي توفير تجربة ثرية وقيّمة للجميع سواء على صعيد الحياة أو الأعمال[4].

وقد وضعت "دبي" الذكية للعام 2021 استراتيجيةً تشمل ستة جوانب رئيسية من المدينة، وحددت أهدافاً طموحة لتغيير أسلوب الحياة والعمل والتفاعل مع المدينة لجعلها مدينة ذكية تتسم بالمرونة، وتضمن سبل العيش الرغيد، وتمتلك اقتصاداً تنافسياً عالمياً مدعوماً بالتقنيات الحديثة، وفيها مجتمع مترابط يتمتع بسهولة الوصول إلى الخدمات الاجتماعية، وتنقلٌ سلس مدعوم بحلول التنقل المستقلة والتشاركية، وبيئة نظيفة مدعومة بأحدث ابتكارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وحكومة رقمية مترابطة[5].

إذاً تقوم المدن الذكية في عصرنا الحالي على أحدث التقنيات الحديثة، التي أتاحت الوصول إلى كل الخدمات بأقل وقت وجهد وتكلفة. لكن مفهوم المدن الذكية ليس حديث النشأة، فمنذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، بدأت ملامحها تظهر في بعض الدول، وإن لم تأخذ نفس التسمية. فالتجربة الماليزية وقصة سنغافورة شاهدتان على ذلك.

التجربة الماليزية

في "ماليزيا" قام الدكتور "مهاتير محمد" بالتركيز على ثلاثة محاور أساسية: التعليم، ويوازيه التصنيع، ويأتي في خدمتهما المحور الاجتماعي. وبدأ اهتمامه بالتعليم منذ مرحلة ما قبل المدرسة الابتدائية، وجعلها جزءاً من النظام الاتحادي للتعليم. ومنذ بداية المرحلة الثانوية تصبح العملية التعليمية شاملة، فإلى جانب العلوم والآداب تدرّس مواد خاصة بالمجالات المهنية والفنية، والتي تتيح للطلاب فرصة تنمية وصقل مهاراتهم[6].

وهذا الاهتمام بالتعليم واكب دخول البلاد مرحلة التصنيع، والتوسع كذلك بصناعة النسيج والإلكترونيات التي أصبحت تساهم بثلثي القيمة المضافة للقطاع الصناعي، وتستوعب 40 بالمئة من العمالة. أما تسعينيات القرن الماضي، فقد كانت مرحلة قطف الثمار، إذ وضعت "ماليزيا" في قائمة الدول المتقدمة. وإذا ما نظرنا إلى إجمالي ما أنفقته الحكومة الماليزية على التعليم في عام 1996، فإن معظم هذه النفقات كان على بناء المدارس الجديدة، وإنشاء معامل العلوم والكمبيوتر، ومنح القروض لمواصلة التعليم العالي داخل وخارج البلاد، كذلك حرصت على الانفتاح والاستفادة من النظم التعليمية المتطورة في الدول المتقدمة[7].

وبالتوازي مع الاهتمام بالتعليم، دخلت "ماليزيا" مرحلة صناعية مهمة، بعد أن توافر لديها جيل العمالة المتعلمة والماهرة، وأصبح في مقدورها المنافسة على الصدارة. وفي فترة "مهاتير محمد" تحققت طفرة ملحوظة في شركات الاتصال والمعلومات التي كانت تحظى بدعم حكومته كعنصر من عناصر خطته التنموية. وهذا ما كان يسميه "الاقتصاد المعرفي". وفعلاً أصبحت "ماليزيا" محطة إقليمية وعالمية في مجال صناعة الاتصالات والمعلومات والإنترنت[8].

قصة سنغافورة

بعد الاستقلال، بحث "لي كوان يو" رئيس وزراء "سنغافورة" السابق عن طريقة لتمييزها عن العالم الثالث، فقرر تحويلها إلى واحة خضراء نظيفة. وبداية صعود أولى درجات السلم كانت في الستينيات، حيث واجه الكثير من التحديات، إذ إن الطبيعة لم تمنّ على البلاد بغطاء نباتي أخضر، لذلك أحضر خبيراً أسترالياً وآخر نيوزلندياً؛ حيث قدما تقريرهما بعد دراسة التربة التي تمت معالجتها. وبالتدريج شرعت المدينة تلبس حلتها الخضراء، في وقت لم تنشغل فيه معظم دول آسيا بمدّ البساط الأخضر على الإطلاق[9].

تنظيف "سنغافورة" أيضاً كان بحاجة إلى تجميع أكبر كمية ممكنة من الأمطار التي يبلغ معدل هطولها 95 بوصة في السنة، فتم وضع خطة تستهدف تنظيف كافة مياه الجداول والأنهار، وتطلب تنفيذها عشر سنوات. وبحلول العام 1980 أصبح بالإمكان توفير حوالي 63 مليون غالون من الماء يومياً، أي ما يقارب نصف الاستهلاك اليومي من المياه. وقد التزمت "سنغافورة" بتطبيق معايير مكافحة التلوث الصارمة، وأجبرت المصانع في مدينة "جورونغ" على تحويل الأراضي المحيطة إلى مساحات خضراء مزروعة بالأشجار قبل أن تبدأ عمليات الإنتاج[10].

ومع حلول العام 1966 امتلكت "سنغافورة" واحداً من أكبر وأحدث أساطيل طائرات بوينغ وإيرباص في آسيا، ووصلت رحلاتها إلى كل القارات تقريباً، وكانت أكثر الشركات ربحية في آسيا والعالم. وفي تموز 1981 افتتح مطار "شانغي" الذي استغرق العمل فيه ست سنوات، ليعتبر آنذاك المطار الأكبر في آسيا[11].

كان "لي كوان يو" من أوائل المتحمسين لاستخدام الحاسب، الذي أصبح عاملاً مهماً في زيادة الإنتاجية؛ ففي العام 1984 قرر أن تبدأ الحكومة بدفع رواتب كافة الموظفين من خلال نظام الجيرو الإلكتروني، ومن خلال الصرافات الآلية، ثم عمل على تشجيع دفع الضرائب ورسوم التراخيص من خلال نظام الجيرو نفسه[12].

يمكن اعتبار التجربتين في ماليزيا وسنغافورة أنموذجاً يحتذى به لكل بلدان العالم النامي في سعيهما نحو بناء مدن ذكية رقمية مستدامة.

-----

المراجع

[1] مجلة العلوم والتقنية العدد 111– المدن والمباني الذكية- م. عبد الله العقيل، ص4.

[2] المدينة الذكية.. طموح أيديولوجي عربي، د. عبد الرؤوف محمد إسماعيل، ص63.

[3] المرجع السابق، ص60.

[4] خمس سنوات لدبي الذكية، كُتيب مشاريع وإنجازات 2021، ص 11.

[5] المرجع السابق، ص 12.

[6] التجربة الماليزية.. مهاتير محمد والصحوة الاقتصادية، ترجمة: محمد صادق إسماعيل، ص126.

[7] المرجع السابق، ص 128.

[8] المرجع السابق، ص 130.

[9] لي كوان يو من العالم الثالث إلى الأول، قصة سنغافورة 1965-2000، ترجمة معين الإمام.

[10] المرجع السابق، ص 238.

[11] المرجع السابق، ص 261–262.

[12] المرجع السابق، ص 277.