استطاع الكاتب الأديب إسماعيل الملحم، أن يتخذ من بحوثه ودراساته تنوع خاص في ربط دراساته الإبداعية والأدبية والفلسفية بخيط سري يجمع بينهم في رؤية واحدة أسماها مساءلات الثقافة. يقيناً أن وحدة التنوع تكون في الوحدة الشعورية المتكاملة للبحث والدراسة.
الثقافة والكتابة مسألتان مترابطتان، وليس من المغالاة القول إن كلتيهما تشكلان كلاً واحداً, فلا كلام يقال عن ثقافة خارج استلهام الكتابة, حيث يبدأ التأريخ البشري. ومن جهة ثانية, ليست الكتابة إلا شكلاً من أشكال إبراز الثقافة في كل عصر من العصور. في بداية الحديث عن الكتابة والثقافة وتكاملهما تكون العودة إلى منشأ الثقافة ذات حضور لابد منه, وهنا فالعودة إلى الثقافات الأولية تطرح سؤالاً لابد منه يتلخص في التساؤل عن وجود ثقافة قبل اختراع الكتابة. يميز الباحثون, والأصح بعضهم، بين الثقافات الشفاهية الأولية, أي ثقافات بلا معرفة بالكتابة على الإطلاق, وثقافات عميقة بالكتابة. وبينهما طبعاً ثمة ثقافات تأخذ من هذا وذاك بنسب متفاوتة. فالمجتمع الإنساني شكل نفسه بداية بمساعدة الكلام الشفاهي, وتأخر الاجتماع البشري كثيراً ليصبح كتابياً.
يتناول الكاتب إسماعيل الملحم قضايا ثقافية هامة في كتابه "مساءلات الثقافة في الإبداع والفلسفة والأدب" الصادر عن اتحاد الكتاب العرب عام 2015. ويناقش مسألة الكتابة، فيذكر أن أقدم مخطوط عرف في تاريخ الكتاب، يعود تاريخه إلى ستة آلاف سنة مضت. ومنذ ذلك الحين أخذت الكتابة تتطور بشكل مذهل. فمن الصور على جدران الكهوف إلى الرقم المكتشفة في كثير من الأمكنة، فالكتابة على الصلصال والطين المشوي فالكتابة بالرموز, ثم كانت القفزة الكبرى باختراع الأبجدية. ومن الكتابة على الجدران والحفر على الحجر وغيره من المواد إلى الكتابة على جلود الحيوانات وورق البردي, وبعد ذلك الورق المعروف. وتأتي مراحل جديدة لتطور الكتابة مع اختراع المطبعة وتطوراتها إلى الكتابة الإلكترونية.
مساءلات الثقافة
ستظل المسألة الثقافية هاجساً مقلقلاً في عصر المتغيرات المتسارعة التي شملت مختلف جوانب الحياة الإنسانية. ثمة قيم وثوابت في الحياة أدركتها الانتقالات السريعة, لم تنج من هذه التبادلات كل من (القيم والعادات والعقائد وأنماط العيش والعلاقات الإنسانية). يدخل عليها التعديل أو التغيير كل يوم وربما في زمن أقل من اليوم الواحد. لا يحتاج الأمر إلى البراهين فنحن نشهد وباستمرار انهيار بعض أشكال التواصل والعلاقات بين الأفراد والجماعات كما بين جماعة وأخرى.
ولعله من أخطر ما تواجهه الجماعات الإنسانية، أنها بدأت تفقد من قدراتها على احتفاظ الواحدة منها بخصوصيتها التي تمسكت بها عبر عشرات القرون بل مئاتها.
ويبقى سؤال الثقافة العربية عامة ظاهرة لافتة. كما أن ثمة ظاهرة تحبط عمليات التقدم والتطور تطفو على سطح الحياة العربية تتمثل في تعاظم التحديات وتراخي الاستجابات الناجمة عنها. لعل الأبرز فيها هو ما يلحظه كل ذي ذهن يقظ من انحطاط الفعل الثقافي أو تلاشيه. وما كثرة المؤتمرات والندوات وتعدد عناوينها في أنحاء مختلفة من الوطن العربي, وهي التي تعطي صورة لا لبس فيها عن تراخي ردود الأفعال على التحديات المتعاظمة. والدليل على ذلك أن هذه المؤتمرات والندوات المتعلقة مباشرة بالشأن الثقافي تكاد تأثيرها لا تتجاوز أبواب القاعات المكيفة أو غير المكيفة التي تعقد فيها.
اللافت أن هذه المؤتمرات والندوات إضافة إلى انعدام تأثيرها وغياب تنفيذ مقرراتها على ضحالة بعضها تنفق عليها من الأموال ما لا يتفق مع مخرجاتها. ففي إحدى الرسائل الإعلامية ذكر أن ما أنفق خلال عام 2004 على مثل هذه الندوات والمؤتمرات التي تناولت بعضاً من شؤون الثقافة العربية أدبية وفكرية. وإذا كان نجاح مثل هذه النشاطات أو فشله يقاس بالنتائج فالسؤال الملح: هل خرجت هذه الأنشطة بنتائج ذات بال؟
الجواب معروف, العمل العربي المشترك فاشل على أكثر من صعيد وربما هو فاشل على الأصعدة جميعها. من هذه الأنشطة ما جاء ذكرها في خبر جانبي بعدد قليل من الكلمات في صحيفة أو أكثر, ومنها ما لم يأت على ذكره أي موقع أو أي وسيلة إعلامية, ناهيك عن النتائج المفترضة. قد تتناول جانباً من هذا المؤتمر أو الندوة زاوية في صحيفة يكون أحد المشاركين فيها قريباً من أحد العاملين في هذه الوسيلة أو تلك.
أخيراً الإنسان هو المخلوق الوحيد المحكوم بشغف السؤال, بدءاً من الصرخة التي يواجه بها الحياة. يحكمه دافع الفضول فلا يشبع ولا يرتوي من طرح الأسئلة, ولا يقتنع بالمعارف المتوارثة ولا تبهره الأحكام والأجوبة المتسرعة. ينزع دائماً نحو المزيد من المعرفة فلا يتوقف عند حد وفي الوقت نفسه لا يشعر بالرضا عما يعرف بل يستمر في مساءلة معارفه ذاتها.
تلعب مساءلات الثقافة دوراً مميزاً ومحورياً في تقييم وتقويم نتاجات العقل البشري الفلسفية منها والعلمية والأدبية, وأشكال الفاعليات الإبداعية المتعددة والمختلفة في ارتقائها, وتجاوز ما تراكم من ضلالات فكرية ومن تعصب وعناد نحو فضاءات التجديد بعيداً عن التنميط والنمذجة.
----
الكتاب: مساءلات الثقافة في الإبداع والفلسفة والأدب