ولد وليام شكسبير في مدينة ستراتفورد 1564، ولما بلغ عامه السابع أرسله أبوه إلى المدرسة؛ حيث تعلم اللاتينية وطالع أجزاءً من الأدب اللاتيني، كان لها أثر بالغ في تكوينه الأدبي. ولبث في مدرسته ما يقارب ثمانية أعوام، ويختلف الرواة في الصناعة التي امتهنها في سني شبابه، فقال قائل منهم إنه شغل بالتدريس في مدرسة ريفية، وزعم آخر أنه مارس صناعة أبيه فكان قصاباً، ولما كان النقد الحديث قد نفى عن أبيه هذه الصناعة، فالأرجح أنها تسقط كذلك عن ابنه.

عندما بلغ شكسبير عامه الحادي والعشرين، كان لا يزال متصلاً بصحبة الشباب المستهتر، وشاءت لهم ميعة شبابهم ذات ليلة أن يتسوّروا حديقة يملكها عظيم المنطقة السير "تومس لوسي" ليسرقوا غزلانه، فكان شكسبير من بين من أمسك بهم الحراس، ووُضع في محبس الاتهام حيناً، وهنا أزهرت الباكورة الأولى من شعره، فأنشأ حكايةً منظومة يهجو بها السير "لوسي" انتقاماً لما أصابه، وقد ضاعت باكورته الأولى التي أثارت الغضب في نفس المهجو الذي شدد عليه النكير، حتى لم يجد شكسبير بداً من الفرار إلى لندن. وسرعان ما وجد سبيله إلى المسرح، وكان أول عمله به أن يعاون الملقن، ثم علا شأنه ممثلاً وكاتباً.[1]

وقد تواضع النقاد على أن يقسموا حياته الأدبية إلى أربعة أقسام، يتميز كل منها بسمات وخصائص يمتد كل قسم منها ستة أعوام تقريباً، فأما ثمرات المرحلة الأولى التي امتدت بين عام 1588 حتى 1594 فهي: "تيتس أندرونكس" و"جهد الحب ضائع" وملهاة "الأخطاء" و"حلم ليلة منتصف الصيف" و"روميو وجولييت" و"سيدان من فيرونا" و"هنري السادس" بأجزائها الثلاثة و"ريتشارد الثاني" و"ريتشارد الثالث"، كما أنتج في هذه المرحلة عدا رواياته قصيدتيه "فينوس وأدونيس" و"لوكريس".

أما نتاج المرحلة الثانية 1595 حتى 1601 فكان "الملك جون" و"تاجر البندقية" و"ترويض المتمردة" و"هنري الرابع" بجزأيها و"زوجات وندرسون المرحات" و"هنري الخامس" و"جعجعة ولا طحن" و"كما تهواه" و"الليلة الثانية عشرة" و"خير كل ما ينتهي بخير"، كما أنتج أيضاً مقطوعاته الشعرية خلال هذه المرحلة.

وفي المرحلة الثالثة 1601 حتى 1607 فأنتج "يوليوس قيصر" و"هاملت" و"كيل بكيل" و"عطيل" و"ماكبث" و"الملك لير" و"ترويتس وكرسدا" و"أنطونيو وكليوباترا" و"كوريولانس" و"تيمي الأثيني". أما نتاج المرحلة الرابعة 1608 حتى 1613 فكان "بركليس" و"العاصفة" و"سمبلين" و"قصة الشتاء" و"هنري الثامن".[2]

وقد تميزت المرحلة الأولى بكثرة الشعر المقفى، إذ لم يكن الشعر المرسل قد رسخت قدمه بعد، كما يُلاحظ أنه في شعر هذه المرحلة يغلب عليه أن يختم المعنى عند نهاية البيت، أي أنه جعل كل سطر وحدة معنية قائمة بذاتها، فلما ازداد مهارة ورشاقة في الكتابة بالشعر المرسل أخذت تقل هذه الظاهرة، حيث يجري المعنى من البيت إلى الذي يليه، وقد عُدت الأسطر المستقلة المعنى في إحدى روايات المرحلة الأولى فوجدت تسعة عشر سطراً في كل عشرين، وعُدت أمثال هذه الأبيات المستقلة في إحدى رواياته الأخيرة فوجد أنها لا تزيد على الثلثين، وهذان تطوران يدلان على أن التحلل من القيود من علامات النبوغ عند الشاعر العظيم في تلك المرحلة.

ومع بدايات المرحلة الثانية كان شكسبير لا يزال مشتغلاً بتاريخ بلاده ممثلاً في ملوكها، حيث كانت المسرحيات التاريخية التي ظهرت في هذه المرحلة مجالاً مكّن الشاعر من التعبير عن العاطفة الوطنية القوية التي سادت أوروبا كلها في عصر النهضة، وسادت إنكلترا على وجه أخص عقب انهزام "الأرمادا" الأسطول الإسباني العظيم الذي حاول غزو إنكلترا في عهد الملكة "إليزابيث"، إذاً كان شكسبير حين يُنشئ رواية يعبر عن أحاسيس نفسه، فمثلاً في رواية "الملك جون" التي كتبها في نفس العام الذي مات فيه وحيده "هامنت" ينفث في بعض أبياتها لوعته على فقيده متخفياً وراء الحادثة التي يرويها في سياق التاريخ.

وفي المرحلة الثالثة يبدو أنه قد ذهبت من شكسبير فرحته في الحياة، وعلمته الحوادث أن ينظر إلى الدنيا من جانبها المظلم القاتم، فها هو حتى في ملاهيه ينقصه الجذل والمرح اللذان عهدناهما في ملاهي المرحلتين الأولى والثانية. وقد أخذ الشاعر ينظر إلى ما في طبائع الناس من لؤم ونفاق، وتستطيع أن تسلم ملهاته الثانية "ترويس وكرسدا" في هذا الضرب القائم من الملاهي التي لولا خواتيمها السعيدة لكانت أبشع من المآسي. ففي هذه المرحلة كانت نفس الشاعر قد أترعها الكمد والأسى لما بقي في حياته العائلية من كوارث فادحة، فأخرج أروع مآسيه الخالدة، ففي "عطيل" يجعل الغيرة الزائفة التي أثارها في نفس "عطيل" ذلك الماكر الخبيث "إياجو" سبباً في أن يقتل البطل وزوجته الطاهرة "دزدمونا". ولعل عبقرية الشاعر لم تتجلّ في مسرحية من مسرحياته بقدر ما تجلت في مأساة الملك "لير" الذي انتهى الأمر به إلى جنون بعد عقوق ابنتيه الكبرى والوسطى، وشرع يغني لنفسه بصوت عال وعلى رأسه تاج من القش، وما إن ترامت الأنباء إلى ابنته الصغرى في فرنسا حتى جاءت على رأس جيش لتنتقم لأبيها من أختيها الجاحدتين. وشاءت الأقدار أن تجزيا السوء بالسوء، فتنازعت الأختان على حب رجل واحد وقتلت إحداهما الأخرى، وزجت القاتلة في السجن حتى أزهقت روحها بيدها. ولكن لما كانت الفضيلة لا تلقى جزاءها في هذا العالم دائماً، فقد هُزمت "كورديليا" الابنة الصغرى المخلصة، وقضت حياتها في السجن حيث ماتت، ولم تطل حياة أبيها بعدها، وعلى هذا النحو أخذ شكسبير يُخرج المأساة في إثر المأساة في كل ما أنشأه من أعمال في هذه المرحلة.

أما في المرحلة الرابعة والأخيرة من تاريخ إنتاجه الأدبي، فقد انتقل الشاعر انتقالاً مفاجئاً من المآسي المفجعة التي انبثقت من نفسه المكروبة الحزينة إلى ملاهٍ رائعة يسودها الوئام والسلام، وفيها يربط ما انفصم بين الناس من أواصر، ويلاقي بين من شتت الدهر من أهل وأحباب، ويجعل العدو يصفح عن عدوه، والآثم يُكفر عن إثمه بالتوبة لا بالموت، والزوجين يتصافحان بعد خصومة، والولد يستغفر الوالد بعد عقوق.[3]

لقد كفى شكسبير نفسه خلال مراحل إنتاجه الأدبي مشقة العناء في خلق موضوعاته، فقد استمد بعضها من أساطير الأقدمين وأغانيهم وأشعارهم، واستمد البعض الآخر من كتب التاريخ، على أن أهم مصدر اعتمد عليه في استخراج موضوعات لروايته هو كتاب "حياة المشهورين من الرجال" للكاتب "بلوتارك". لكن شكسبير لم يكن قبل القرن التاسع عشر في حساب النقاد أعظم من بعض معاصريه، ولم تهبط قيمته بقدر ما هبطت عند الأدباء الإنكليز في النصف الأول من القرن الثامن عشر، ولما أشرقت شمس الحركة الابتداعية (الرومانتيكية) أول القرن التاسع عشر، عاد الأدباء فأقبلوا على شكسبير يدرسونه ويقدسونه، ومنذ ذلك العهد حتى اليوم حلّ في مكانة الزعامة بإجماع شمل أطراف العالم، وقد تُرجمت أعماله إلى اللغات الروسية والبولندية والإيطالية والإسبانية، ويقال إنها بلغت من الروعة حدّاً يدنيها من أصلها الإنكليزي، وقد نُقلت إلى العربية طائفة من رواياته كذلك.[4]

ولقد كانت رسالة شكسبير في عصره وفي كل عصر، هي تحليل التعارض العجيب الذي كان وكأنه لازمة من لوازم النفس البشرية بين دواعي النجاح العملي من جهة، ومقتضيات الأخلاق من جهة أخرى. وقد بلغت هذه الأزمة الإنسانية حدها في عصر النهضة. وأول مثل لهذا الصراع في نفس الإنسان بين ما يرغب فيه بشهوة وغريزة، وبين ما كان ينبغي أن يكون بحكم الأخلاق المثلى، ثلاثيةٌ مسرحية يحسن النظر إليها جملة واحدة لما في أحداثها من تعاقب يربط لاحقها بسابقها، فهل تكون السياسة والأخلاق ضدين لا يجتمعان في نفس واحدة؟ لعلّ هذا ما أراد شيكسبير أن يوضحه من خلال مسرحيته الثالثة "هنري الخامس"، فقد صارح هذا الرجل نفسه منذ اعتلائه العرش أنه إذا أراد لنفسه سياسة ناجحة فلا أخلاق ولا ضمير، وإذا آثر الأخلاق والضمير فلا سياسة.

وهناك مثل آخر أرفع وأروع لأزمة الإنسان كما رآها شكسبير في عصره، وألقى عليها الضوء لكل العصور وهو مسرحية "الملك لير"، فالفجوة بين باطن الإنسان وظاهره واسعة عميقة، لكن هذه الفجوة تبلغ أفجع صورها حين تكون في الولد إزاء الوالد، ولم يكن "لير" أول الأمر على وعي بهذا التفاوت العظيم في طبيعة الإنسان بين ظاهر وباطن، حتى أرغمته الأحداث أن يعي ذلك. ففي المسرحية يغوص شكسبير تحت الموج ليطفو وملء يديه الحصى ممزوجاً بالدر، يخرج من أغوار النفس الإنسانية خبيثها وطيبها على السواء، وكلا الجانبين طبيعي على حد سواء، فمن طبيعة الإنسان أن يخفي نكراناً للجميل وقسوة وأنانية وتعطشاً للقوة والجاه والمال، كما الحال مع "جونريل وريجان" بنتي الملك "لير"، لكن من طبيعة الإنسان أيضاً أن يخفي الحب الخالص المخلص والتقوى وخشية الضمير، كما هي الحال مع "كورديليا" الأخت الصغرى، فحبها لأبيها لم يكن تجارة، بل إنها تمنح أباها الحب خالصاً، وبرغم حرمانه إياها حقها في ملكه، لم تنسَ أنه أبوها، فكانت البنت البارة الرحيمة بأب ذاهل اللب يطلب الغفران بعد أن شردوه هائماً على وجهه مفقود العقل يمزقه الندم.[5]

إذاً حلل شكسبير أزمة الإنسان في عصره، فحلل بذلك أزمة الإنسان في كل عصر، وقد تصدى لتصوير النفس المتصارعة بين عقلها وقلبها تصويراً يستهدف به الحق كما يقع، ويستهدف به دعوة الناس إلى شيء بعينه، فكان من شعراء الغوص والكشف عن مكنون الضمائر، شاعر يبشر لحياة جديدة، يستبق بها سير التاريخ، ويهدي بها بناة الحضارة.

وقد أدى رسالته الإنسانية أداءً أميناً صادقاً، لم يقتصر على نمط من الناس دون سائر الأنماط، بل تناوله في تنوع طبيعته حيثما كان وكيفما كان، تناول الإنسان رجالاً ونساءً وأطفالاً، أفراداً وجماعات، ملوكاً تسود ورعية تُساد، طيباً وخبيثاً، صريحاً وغامضاً، طامعاً وقانعاً. إنه يعرض النفس السوية والنفس المنحرفة المريضة، التقية والفاجرة، ثم لا يكتفي بذلك كله فيضيف إلى الأنس عالم الأرواح والأشباح والجن والمردة وسائر ما يبدعه الخيال. صنع شكسبير كل هذا حتى استكثر بعض الناقدين أن يصدر من قريحة واعية بما تصنع، فقالوا إنه من قبيل ما يهندس النحل خلاياه وينسج العنكبوت خيوطه وتبني العصافير أعشاشها، لكن هذا القول لا يغير من الأمر شيئاً، فإن صدر في خلقه الفني عن بصيرة واعية فهي بصيرة فذة فريدة، وإن صدر عن فطرة غير واعية بما تصنع، فهي كذلك فطرة فذة فريدة، فالرجل معجز على أي الحالتين.[6]

----

المراجع:

[1] قصة الأدب في العالم ج2، زكي نجيب محمود وأحمد أمين، مؤسسة هنداوي للنشر، الطبعة الأولى 1955، ص 179.

[2] المرجع السابق، ص 180- 181.

[3] المرجع السابق، ص 190- 191- 197- 199- 202.

[4] المرجع السابق، ص 204- 205.

[5] مع الشعراء، زكي نجيب محمود، مؤسسة هنداوي للنشر، الطبعة الأولى 1978، ص94- 96- 98- 99.

[6] المرجع السابق، ص 100- 105.