ثمة فرقٌ كبير وشاسع، بالنسبة إلى "جوناثان"، بين من يتعلم الطيران لأجل التحليق بانسيابية جميلة والتحليق إلى أعلى الأعالي، وبين من يتعلم الطيران بهدف الوصول إلى فتات الطعام ورؤوس السمك التي يرميها ركّاب القوارب على شواطئ البحار.
ذلك ما فكّر فيه "جوناثان" منذ أن قوي جناحاه، وصار بإمكانه التحليق.. و"جوناثان" هذا كائنٌ من عالم الطيور، حتى لا نذهب بأذهاننا إلى عوالم البشر، بل سنبقى في عالمٍ موازٍ، وشريك معنا في العيش على هذا الكوكب. لنذهب إلى ما كان يُفكّرُ فيه هذا الطائر بعيداً عما اعتاد أن يشغل بال قومه من الطيور ويفكروا فيه، وتحديداً مجتمعه من طيور النورس. وقد بدأ الأمر منذ أن تشكّل وعيه، حيث وجد نفسه أمام مفترقين لطريقٍ لا ثالث لهما. وهي إما اللاطريق أي البقاء في تقاليد ومجتمع النوارس، وتحت وطأة أعرافها، أو التحليق بعيداً جائعاً وسعيداً وحراً في رحلة معرفة وتعلم طويلة لن تخلو من الكثير من المجاذفة والمغامرة.
تلك هي السيرة التي سيسردها الروائي والطيّار الأمريكي ريتشارد باخ (1936) على لسان الشخصية الرئيسية في روايته "النورس جوناثان". فعلى مدى ما يُقارب المئة صفحة، سيخوض ريتشارد باخ في حكاية وجودية، من خلال طائر من النوارس، تتصارع في داخله قوتان، كلُّ قوة تأخذه باتجاهٍ مُفارق، حتى كادت أن تمزقه، قبل أن يحسم أمره، ويذهب باتجاه طريق المعرفة الشاق والجميل والمفعم بالسعادة. والغاية كلها التماهي في حالةٍ كلية من التمام والكمال.
وعدّة ريتشارد باخ في صياغة هذه الملحمة من الطيران والتحليق، عمارة لغوية استطاع المترجم عز الدين محمود أن ينقلها إلى العربية بكامل جمالياتها من بلاغة وتصوير، وتحديداً في مناخات من الوصف المذهل في البحث ودراسة طيران النوارس. هذه اللغة الوصفية العالية سيدمجها الكاتب بمناخين اثنين ليسا بعيدين أحدهما عن الآخر، وإن كان كلٌّ منهما من منطقٍ مختلف. المناخ الأول هو فضاء الفلسفة الوجودية، وغاية الكائن من وجوده في هذه الحياة، والثانية مناخات المعرفة الصوفية العرفانية حسب وعي وفهم ريتشارد باخ لها، وليس من خلال ملامحها الدينية، وإن كانت لا تبتعتد كثيراً عنها.
فيما الرواية نفسها، تنتمي إلى عوالم القص والروايات التي سردت على ألسنة الحيوانات، وهي ليست قليلة في المدونة السردية العالمية، والتي بدأت منذ أن بدأ التدوين والكتابة. لكن ستختلف حكاية "النورس جوناثان"، عن قصص الحيوان التي تمّ تدوينها بالكثير، ولا أظن أن ثمة ما يُقاربها سوى رواية لأمريكيٍّ آخر هي "الناب البيض" التي كتبها جاك لندن. ذلك أن غاية القصص والروايات التي سُردت على ألسنة الحيوانات، وحتى النباتات والأشجار، إما لغايات طفلية، أي قصص الأطفال التي كثيراً ما تُؤلف لغايات تعليمية واجتماعية تكون على لسان كائنات محببة لدي الأطفال، أو تكون لغاية الالتفاف على مختلف أنواع الرقابات التي يمكن أن يفرضها مجتمعٌ من المجتمعات، وهي تريد إيصال رسائل وعبر مقولات لأفراد مجتمعاتها سواء كانوا حكامّاً أو من عامة الشعب. أو تكون قصصاً خرافية قادمة من مناخات الأساطير والملاحم القديمة حيث لم يكن بعد الفرز الطبيعي واضحاً بين كائنات الطبيعة من بشرٍ وحيوانات. أما شخصية الطير في الرواية فستبدو بعيداً عن كل ما سبق ذكره. هنا سنلمح من حيثيات السرد دعوة لإعادة النظر في مسألة انفصال البشر عن طبيعتهم وكوكبهم الذي لا يتوانون في تخريبه، ومن ثمّ لا اختلاف بين كائنات هذا الوجود إلا بما يُحققه الكائن من جمال وخير للآخرين من مناخات الإنسانية، وذلك بالتخلص من براثن الكراهية والجشع والحقد والضغينة، ومن ثمّ التسامي في الحبّ الخالص.
هذه التفاصيل سنرى إيحاءاتها دون أن يقولها ريتشارد باخ دون صراحةً، دامجاً بين حقائق العلم والتي يبدو أنه اكتسبها من خبرته في الطيران – باعتباره كان طيّاراً سابقاً – وبين الأدب، والتعمّق في السرد من خلال فهم ووعي لسلوك الحيوان بما يُقارب الأفلام الوثائقية المصورة من خلال الإيهام بالواقعية، وذلك بالربط بين الخرافة للحبكة والمادة الحقيقية للصور، وذلك بترتيب القصة كعرضٍ وثائقي. حيث إنّ تدريبات جوناثان، والوصف التفصيلي والمتخصص لتقنيات التحليق والطيران، هي أقرب ما تكون إلى ريبورتاجات الصحافة الحديثة، وإن تكن هذه "الخرافة" تتابع مسارها لتصبح على تماسٍ مع مجال سيكولوجية الحيوان، فهي حتى مع ذلك أكثر قرباً مع اختصاص باخ في الطيران. وكلُّ ذلك كما ذكرنا أعلاه من خلال حكاية فلسفية صوفية عرفانية، وبكامل مجازات الأدب.
وأنت تقرأ في هذه الرواية؛ لا بدّ سيصلك صوت الريح، بين انقضاضة حادة باتجاه الموج، أو انسيابية في الهواء، في التحليق الذي وجد له جوناثان أنواعاً أكثر بكثير مما تعلمها بنو قومه.. ولابدّ ستندهش لحفيف الأجنحة وصوت السكينة في سماء جوناثان، موصلاً بازداوجية الممكن والمستحيل إلى حافة التحقق من خلال هذا الانتصار الاستثنائي في السمو في التحليق، وزاهداً بكلِّ الحياة النفعية والاستهلاكية ومن كلِّ استعراضاتها. وذلك من خلال هذا الطائر الذي قرر الخروج عن النسق بكلِّ تقاليده، والطيران خارج السرب مهما نُعتَ بعار الخيانة، فكلُّ الذين قدموا للإنسانية جمالاً ونفعاً كانوا من هؤلاء الذين "خانوا" النسق. هنا نورسٌ يُحاول بعيداً ومنفرداً وجاهداً بهذا الإنكار للذات أن يُحرز الكمال، ويتغلب على حدود الزمان والمكان وحتى الموت في دعوة للتمرد على مجتمعٍ استهلاكي نفعي مُحصّن بالأعراف والتقاليد، وأحياناً بالقوانين الشرسة، ذلك أنه وجد في هذا الوجود أكثر مما تراه العين، عندما رأى بعين القلب، لا بعين النظر فقط. ووجد أنه لا بد من إيجاد منفذ للحياة غير المنافذ التي تم الاعتياد عليها في ذلك الترتيب في الوحل أمام القوارب، والأهم له في هذه الحياة. التفاني للوصول إلى الكمال في الهدف الذي حاز على حبه، وهو التحليق. وهو الذي توصل إلى أن جسد المرء لا شيء سوى فكرته. والأمر ليس معجرة، فلكل امرئ عين القلب، فقط تحتاج لمن يُعيد شحنها وإشغالها. ومن هنا نفهم غاية الإهداء في أولى صفحات الرواية لريتشارد باخ: "إلى جوناثان الحقيقي الذي يعيش في داخلنا جميعاً".
----