وأنت تقرأ رواية "انفصال" للكاتبة الأمريكية من أصل ياباني كيتي كيتامورا، فإن الانطباع السريع الذي سيخظر على البال، هو بساطة الفكرة، ومن ثمّ الاقتصاد في كلِّ شيء: الأحداث، الشخصيات، الأمكنة، وحتى الزمان الذي لا يتعدى الخمس سنوات.
أقول هذا الانطباع السريع الذي أيضاً سريعاً ما يتلاشى من خلال مستويين تبدع الروائية في الإبحار فيهما؛ الأول: الصياغة اللغوية التي كثيراً ما تصير نداً للشعر لا سيما من خلال بلاغة الوصف، سواء وصف الأمكنة في أزمنتها المختلفة، أو وصف الشخصيّات، والتي لا تكتفي بمظاهرها الخارجية. وهنا نصل إلى المستوى الثاني: عندما تتوغل الكاتبة في أعماق الشخصيّات، وتدرسها نفسيّاً حتى النهاية بكلِّ ما تحمل من غيرة، وخشية فقد، ودوافع وغرائز وطباع وغير ذلك، ويُمكن أن أضيف مستوى ثالثاً: وهو إغناء الرواية بالمعلومات؛ فقد قدمت الرواية الكثير من المعلومات. على سبيل المثال: عن محنة الحرائق في اليونان، ورأي هام جداً حول الترجمة، وحكاية الندبات في الجنائز، وقراءة في ماهية الحب ومفهومه، والكثير من المعلومات التاريخية حول بعض الصروح، وعشرات المقولات التي تقدمها الساردة كخلاصة تجربة وحكم وتعريفات. ليذهب السؤال دون جواب، أو يذهب مفعماً بالأجوبة. ذلك السؤال الذي لا بدّ أنك – كقارئ- طرحته على نفسك: وهل مسألة (انفصال) بين زوجين- الحدث الذي يحدث يوميّاً ربما مئات المرات بين الأزواج في مختلف مناطق هذا العالم، يكفي لسرد رواية؟! ذلك إن مثل هذا الحدث عندما تسرده كيتي كيتامورا، بهذه السردية العالية على لسان ساردة – راوية عبر (167) صفحة، حيث تنتهي الرواية وتختمها السادرة التي تنقل كل أحداث ذلك الـ (انفصال) دون أن نعرف اسمها، سوى أنّ مهنتها (مترجمة) عن الفرنسية وإليها، رغم أنها كانت الصوت الوحيد والعالم بكل الخفايا، الذي ينقل إلينا الأحداث في تصاعدها إلى الذروة وانحدارها إلى الخواتيم، حيث توصّف كلَّ الشخصيات داخليّاً وهي تسبرُ أعماقها، وكيف انعكس هذا الداخل على الوجوه والأيدي والحركة وردات الفعل، أو كأنها تترجمُ لنا كل تلك الانفعالات والحالات، حيث تتوالد القصص من الحدث الأول – الانفصال، لتأتي الأحداث استطراداً، واسترجاعاً، وتذكراً، من خلال حدث يحصل فجأة، يذكرها بحدث آخر فترويه ضمن حيثيات الحدث الحالي، وتبدو الكاتبة ماهرة في استدعاء أحداث بعيدة فتأتي بها كخلفية للمشهد الحالي، ولبناء الحكاية الكليّة، واكتمال الحدث بكلِّ مرجعياته، وبعد ذلك لتأتي الترجمة المتمكنة لتؤكد كل ذلك السرد العالي في الصياغة العربية، وهنا لابأس من الإشارة إلى أنّ رواية (انفصال) هي الرواية الثانية التي تقوم بترجمتها تانيا حريب بعد رواية (لوسي) لـ (جاميكا كينكيد)، التي سيكون لنا قراءة قادمة فيها.
وفي العودة لرواية (انفصال) موضوع هذا المقال؛ فكما أسلفنا تقوم فكرتها على مشروع انفصال بين كريستوفر الكاتب والباحث في قضايا كثيرة، وبين زوجته الراوية والساردة لأحداث الرواية، وذلك بسبب التورط في الكثير من العلاقات النسائية، ومن ثمّ الوقوع في (الخيانة الزوجية)، تلك الخيانة التي تضع أحد الشريكين في موقع المعرفة، وتترك الآخر في فخ الجهل. حيث يتفق الزوجان – كريستوفر والراوية – على الانفصال، كمقدمة للطلاق، شرط عدم إخبار أحد بالأمر حتى الوصول إلى مرحلة الطلاق النهائية. حينها كان كريستوفر يُحضّر لإنجاز كتابه اللافت، وهو دراسة طقوس الحداد عند الشعوب، وهو الذي قام سابقاً بإعداد كتاب عن (الموسيقا الاجتماعية)، وكان لا يزال في العشرينيات من عمره. ولأجل هذا الكتاب، الذي تُشكك والدته بهذه المهمة، ودون أن يُخبر أحداً، يُسافر كريستوفر إلى اليونان، ويُقيم في فندق في قرية نائية بجوار البحر في الريف اليوناني.
الأم إيزابيلا، وبما عُرفت عنه من خصمٍ صعب لـ"كنتها"، كانت ذات قدرات فائقة، فكانت قلقة على كريستوفر الذي لابد أن هناك خطباً ما وقع له، فليس من عادته ألا يرد على مكالماتها، وتطلب من الراوية – زوجة كريستوفر اللحاق به إلى اليونان، وهو ما يوقع الأخيرة في التردد والإحراج لا سيما وهما في مرحلة الانفصال، لكن لأنها وعدته بكتمان أمر الانفصال، تلحق به مدفوعةً برغبة طلب الطلاق، بعد أن أغرمت – على ما يبدو – بصديقها إيفان. وعندما تصل إلى اليونان يكون كريستوفر غادر الفندق إلى جهةٍ غير معلومة، لكن بقيت أغراضه في الغرفة، ولتبقى الزوجة المنفصلة أياماً في انتظاره. وخلال الانتظار تكتشف الكثير عنه لا سيما عن علاقته مع موظفة الفندق ماريّا، وهي التي تعرفه جيداً كمغازلٍ متهور، حيث يفعل ذلك كرد فعل أشبه بالطريقة التي يقول بها الناس "مرحباً، وشكراً، أو على الرحب والسعة". وكان طوال حياته جذاباً للنساء، وبارعاً في الوصول إلى وعي المرأة، وإثارة إعجاب أي شخص، إضافةً إلى نزعة أخرى لديه، وهي الانجذاب إلى الأشخاص الذين يعيشون حالة فقد، ما منح الناس انطباعاً خاطئاً بأنه رجل متعاطف.
هنا في هذا الفندق المصمم على نحوٍ واضح للأغراض الرومانسية، سيكون كريستوفر على دراية بإمكانياته الاستعراضية، حيث تتطلب كل قصة رومانسية خلفية، وجمهوراً أيضاً، فالرومانسية ليست شيئاً يمكن أن يستحضره الشريكان بنفسيهما، فالحب يُحصّن أيضاً من بيئته، ويتغذى من نظرة الآخرين تجاهه.
وإذا كانت الشخصيات في لندن: الراوية، وكريستوفر، وإيفان، ومارك وإيزابيلا والدا كريستوفر، بينما في اليونان: ماريّا، وكوستاس عاملا الفندق، وستيفانو سائق التكسي، حيث الجميع فيما بعد سيكونون هنا – في قرية نائية في الريف اليوناني -، بعد الإعلان عن خبر مقتل كريستوفر بطريقة غامضة، بضربةٍ على ما يبدو غادرة في مؤخرة الرأس، لتدور عشرات السيناريوهات في كيفية مقتله، وما هي دوافع القتل، هل هي جريمة عاطفية، أم بدافع السرقة، وهو ما تعجز عنه الشرطة اليونانية. غير أن الراوية - الزوجة تُنهي سردها بكلمات محيرة بهذه الخاتمة: "أحياناً يمزح إيفان – وكانت قد ارتبطت به – إن مقتل كريستوفر يُعدُّ حظاً عاثراً، ويجب أن أوافقه الرأي؛ إنه حظّ سيئ لجميع المعنيين بالأمر. قال إيفان في الأسبوع الماضي فقط إنه لا يعلم كم من الوقت يمكنه الانتظار، على الرغم يُمكنني أن أسأل: انتظار ماذا؟ أعلم تماماً ما قصده، ولا يسعني القول سوى أنني متأسفة، وأنني أوافقه الرأي، على الرغم من أنّ ما كنا ننتظره، لا يستطيع أيٌّ منا التفوّه به!
----