تتنوع الصراعات التي يخوضها بنو البشر في حيواتهم، لا سيما الصراعات مع كل ما يُحيطُ بهم، وما أكثرها. لكن ماذا عن الصراعات التي تتشكل داخل الإنسان نفسه. عن ماهية هذا (الصراع) الجواني للإنسان تدور الدراسة التي يُقدمها مجموعة المؤلفين في كتاب (علم الصراع).

هنا في هذه الجوانيّات حيث تبرز أهم أشكال هذا الصراع بـ "صراع الحاجات، الصراع بين العرف الاجتماعي والحاجات، الصراع بين الأعراف الاجتماعية، صراع القيم، الصراع بين القيم والأعراف، الصراع بين القيم والحاجات، صراع الدور، وغيرها. كما أنّ هناك تصنيفات آخرى للصراع يرصدها الباحثون داخل الشخصية مثل: الصراع بين "أريد" و"لا أريد"، الصراع بين "أستطيع" و"لا أستطيع"، الصراع بين "أريدُ" و"لست قادراً"، الصراع بين "ما هو ضروري" و"ما هو لا ضروري"، الصراع بين "أريد" و"من الضروري"، الصراع بين "من الضروري" و"لا أستطيع". حيث تعتمد هذه التصنيفات كمعيار عند تقسيمها إلى أشكال على آلية الصدام بين الحاجات والرغبات والقيم عند فرد محدد.

وثمة تصنيفٌ آخر للصراع داخل الشخصية، يقترحه ي. م. بابوسوف، وهو: صراع الدوافع أي الصدام بين مكونات البنية النفسية للشخصية، أو صراع الرغبة المكبوتة: اصطدام الرغبة الجامحة التي تنشأ عند الشخصية مع الواقع الذي لا يسمح لهذه الرغبة بأن تترجم إلى حقيقة واقعة. وقد ينشأ مثل هذا الصراع في حال وجود قصور جسدي يمنع من تحقيق هذه الرغبة. كما قام بابوسوف بدراسة معمقة لهذا النوع من الصراعات كصراع الدور أو الأدوار: الذي يأتي على شكل معاناة بسبب عدم المقدرة أو الصعوبة في تحقيق عدة أدوار في وقت واحد (صراع بين الأدوار داخل الشخصية)، وكذلك بسبب الفهم المختلف للمطالب التي يتم توجيهها تجاه أحد الأدوار من قبل الشخصية ذاتها ومن قبل الوسط الاجتماعي المحيط بها (صراع داخل الدور). وهناك صراع التقييم الذاتي غير المكافئ: والذي ينشأ بسبب الافتراق بين مستوى الطموحات والأطماع عند الشخصية وبين مستوى تقييمها لإمكانياتها. كما أنّ هناك عدة احتمالات لهذا الصراع: الصراع بين الطموح المبالغ به وبين الإمكانيات الواقعية للشخصية؛ بين السقف المنخفض للطموح وبين الإدراك الموضوعي لطاقات الإنسان؛ وكذلك الصراع بين الميل نحو رفع سقف الطموحات بقصد بلوغ النجاح وبين الميل نحو تخفيض الطموح من أجل تجنب الفشل. وهناك أيضاً الصراع الأخلاقي: أي الصراع بين الرغبة العابرة اللحظية وبين العرف والضوابط الأخلاقية، بين مشاعر الحب والإحساس بالواجب، بين قيم أخلاقية مختلفة. وكذلك الصراع العصابي الذي هو اضطراب نفسي نتيجة للتناقض العبثي وغير العقلاني بين الشخصية وبين الجوانب الهامة بالنسبة إليها من الواقع المحيط، ويتظاهر هذا الصراع في مختلف أشكال الفوبيا، والمخاوف، والقلق الزائد غير المبرر وفي الشعور بالدونية.

كما يتحدث الكتاب عن شكل آخر للصراع داخل الشخصية، يدعى بالصراع الداخلي غير المُدرك أو اللاواعي؛ وهو يقوم في الأساس على وجود حالات صراعية في الماضي لم يجر حلّها بصورة نهائية، وقد تمّ نسيانها أو تناسيها، والذي يستمر كامناً على مستوى اللاشعور. ومن بين عدد كبير من النظريات التي تفسر طبيعة الصراع داخل الشخصية.

يُركّز الكتاب أيضاً على المقاربة الفرويدية، وعن الصراع داخل الشخصية في نظرية فرويد؛ حيث لا يُعتبَر الصراع داخل الشخصية خللاً روحياً أو نتيجة لقصور في العالم من وجهة نظر فرويد، الذي قام باعتباره طبيباً نفسياً ممارساً بدراسة المرضى الذين كانت حالتهم النفسية ممزقة تحت وطأة الكفاح الداخلي، بل إنَّ الصراع داخل الشخصية – مجرد تظاهر لازم وضروري لديناميكية الحياة الروحية يساعد على تطور الشخصية..

وأما الخطورة في مثل هكذا صراعات، فقد كانت تنبع، حسب رأيه، من عدم وضوح النهاية لهذا الصراع الداخلي، ذلك الصراع الذي يمكنه بالتساوي أن يؤدي إما إلى تفتح طاقات الشخصية، وإما إلى قمعها. لقد فسر فرويد طبيعة الصراع داخل الشخصية منطلقاً من تصوره عن بنية الشخصية. فالشخصية البشرية طبقاً لنظريته عبارة عن ثالوث مؤلف من المكونات التالية: الـ"هوَ" الذي يخضع لمبدأ اللذة، "الأنا" (الإيغو) التي تخضع لمبدأ الواقعية، و"الأنا العليا الخاضعة لمبدأ التوجيب أو الواجب. ولكن مأثرة فرويد – حسب الدراسة - لا تكمن في أنه يكشف عن أسباب الصراع داخل الشخصية فقط، بل إنه يقترح أيضاً طرق تحديده وأساليب الخروج من الحالة المعينة. ومن بين العلامات التي تساعد في تشخيص الصراع داخل الشخصية، يركز فرويد على: عدم التطابق بين الأهداف وبين طرق تحقيقها في نشاط الإنسان، واضطراب الإحساس بالحدود في العلاقة بين الدافع نحو الفعل والجهود المصروفة من أجل تحقيقه؛ التناقض بين السلوك الواقعي وبين الهدف المعلن. وأما أساليب الخروج من حالات الصراع داخل الشخصية فهي من وجهة نظر فرويد: يجب قبل كل شيء إدراك الصراع وفهم طبيعته. كما يجب معايشة الصراع بصورته الكاملة، وهذا يتطلب استذكار الحالة الصراعية وكما لو الهزيمة فيها ومن ثم إعادة معايشتها. وأخيراً، يجب تحليل الأسباب العميقة وعواقب الصراع المفتوح.

----

الكتاب: علم الصراع

الكاتب: مجموعة من المؤلفين

ترجمة: د. إبراهيم إستنبولي

الناشر: اتحاد الكتاب العرب بدمشق