العداء للشيوعية والاتحاد السوفييتي بالدرجة الأولى كان حجر الأساس في قرار إنشاء المخابرات المركزية الأميركية عام 1947. وقد كان المجندون الأوائل في الوكالة من العقائديين والمثقفين المعادين للشيوعية. لكن لا يعني انهيار الإمبراطورية السوفييتية انتهاء الخطر، بل "إن العالم يبقى خطراً، وربما هو اليوم أشد خطراً من أي وقت مضى" وفق تعبير دوان كلاريدج في محاضرة له عام 1997، وهو مسؤول سابق في المخابرات الأمريكية.
في كتابها "المخابرات المركزية الأميركية في الحرب- أليندي، غورباتشوف، ابن لادن، صدام حسين"، تشير الكاتبة والمؤرخة الفرنسية كاترين دوراندان، إلى أنه يمكن تفسير تاريخ المخابرات المركزية الأمريكية بوصفه "مساراً ضمن سلسلة من الصراعات التي تتقاطع فيما بينها: الحرب الباردة والحرب ضد الإرهاب".
وعلى الرغم من الدور الكبير الذي تلعبه المخابرات المركزية على الصعيدين الداخلي والخارجي، إلا أن تناقضاً قانونياً مثيراً للسخرية، يفرض نفسه بقوة، ويتعلق بمنع الكونغرس للمخابرات من اللجوء إلى الاغتيالات السرية، وهو ما صادق عليه رونالد ريغن عام 1981. بل إن إدارة كلينتون ذهبت أبعد من ذلك عام 1995 حين منعت المخابرات من "تجنيد عملاء يمكن أن يكونوا قد خرقوا حقوق الإنسان". والأكثر إثارة للسخرية أن بعض السياسيين الأمريكيين يمضون بعيداً في دعوتهم إلى إقامة نوع من التوازن بين السلطات و"يرفضون بالمطلق ثقافة العمل السري والأسس والممارسات الناتجة عن الحرب الباردة". وكل ذلك يبدو مهماً "من وجهة النظر القانونية بالنسبة إلى الولايات المتحدة". وهذه مفارقة أخلاقية بائسة يكذب حقيقة التمسك بها، في رأينا، كم الوقائع والفضائح التي تتكشف باستمرار دون توقف على مختلف المستويات وفي مناطق كثيرة من العالم.
اللافت أيضاً أن بداية عمل هذه المخابرات الفعلي كانت من أوروبا، حيث كانت مناطق التدخل الأولى هي فرنسا وإيطاليا وأوروبا الشرقية التي كانت مهددة مباشرة بوصول أنظمة حكم شيوعية إليها. ومن ثم امتدت في مختلف بقاع العالم التي قد تتعرض فيها المصالح الأمريكية للخطر، وكذلك العمل على زعزعة أي منطقة توالي الاتحاد السوفييتي إن أمكن، وسيطرت رؤية سياسية لا تحتمل الجدل على العقل المخابراتي المطالب فعلياً بإيجاد الأسباب والمبررات للتدخل الأمريكي. فالشيوعية ثعبان واحد برؤوس عدة وإن من الواجب قطع هذه الرؤوس المرعبة في أي مكان تظهر فيه!
بعد انتهاء الحرب الباردة، إثر سقوط الاتحاد السوفييتي، وتعاظم خطر الحركات الإرهابية في مناطق مختلفة من العالم، وفق وجهة نظرهم، كان من الطبيعي أن تفرض الوقائع الجديدة نفسها على آليات وخطط تفكير وعمل المخابرات المركزية الأمريكية خاصة بعد دخولها مرحلة من التعاون مع الدولة الروسية المواجهة لمخاطر الإرهاب العالمي. وقد كتب الصحفي مورين درور ساخراً، وربما بشيء من الوقاحة: "نحن بحاجة الآن إلى إمبراطورية الشر القديمة كي تساعد في صد محور الشر الجديد والأشرار".
وبالنظر إلى بعض المفاصل التاريخية في السياسة الأمريكية والعالمية، تلعب المخابرات المركزية أدواراً مركبة وسرية، ففي الوقت الذي كان فيه الموقف الأمريكي المعلن يدور في "دائرة الحياد"، كانت المخابرات تلعب دوراً آخر وتسهل بعض القروض المالية الكبيرة للحكومة العراقية، وتشجع أطرافاً دولية على مواقف مختلفة على الضفة الأخرى. وقد كشفت الوثائق المنشورة عام 1995 سياسية الولايات المتحدة تجاه العراق في ثمانينيات القرن الماضي، كما كشفت تورط المخابرات المركزية بشكل مباشر من خلال قضية بنك "لافورو الوطني" حيث قام فرع البنك في أتلانتا "بتقديم قروض ومساعدات للعراق تقدر بمليارات الدولارات" خلال الحرب مع إيران التي بدأت بهجوم بحري وجوي وبري في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980 وقد شجعت أمريكا صدام بشكل غير مباشر كما تؤكد المؤرخة الفرنسية. وقد استفاد العراق من "استلام مختلف أنواع الأسلحة من الاتحاد السوفييتي ثم من فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة".
وعلى أرضية من العلاقة القوية لصدام حسين و"العراق" مع الولايات المتحدة تم غزو الكويت في آب من عام 1990 لكن الحليف الأمريكي رد بعاصفة الصحراء، وهو ما لم يتوقعه صدام كما تشير التقارير الصحفية والسياسية. "في كل حال لم يعتقد صدام حسين أن الأمريكيين سيردون، مرتكباً بذلك خطأ كاملاً في التقدير".
وقد رسم السيناتور الديمقراطي فرانك شورش، الذي ترأس لجنة للبحث في طرائق عمل المخابرات عام 1975، صورة واضحة عن طبيعة هذا العمل، رغم إيمانه العميق بمشروعية وضرورة ما تقوم به لمصلحة بلاده: "لقد أسقطنا حكومة غواتيمالا حينما لم يعجبنا توجهها نحو اليسار، وقد حاولنا إشعال حرب أهلية ضد سوكارنو في أندونيسيا، وتدخلنا من أجل إعادة الشاه إلى عرشه في إيران بعد كسر مصدق احتكار شركة النفط البريطانية للبترول الإيراني، وحاولنا إطلاق ثورة في كوبا. حاولنا اغتيال كاسترو وقادة كوبيين آخرين. وقد جرت هذه المؤامرات في ظل ثلاث إدارات، وقادت إلى التعاون بين المخابرات المركزية والمافيا".
يزيح هذا الكتاب الستارة عن جوانب عديدة ومتنوعة من عمل المخابرات المركزية الأمريكية بالاستناد إلى الوثائق التي رفعت عنها السرية، إضافة إلى شهادات بعض المسؤولين الذين كان لهم دور في هذه الأحداث.
----