أكثر من ملمح جمالي وفني سيلفت انتباه القارئ إلى رواية الياباني تاكوجي إيشيكاوا. ذلك أن هذه الرواية المفعمة بالشعرية العالية، تذهب باتجاه ما أطلق عليه موجة "الروايات النقية" أو روايات الحب النقي التي انتشرت عند صدور الرواية في اليابان.

إن هذه الرواية المفعمة بالمحبة الخالصة، ستأخذ أكثر من مستوى فني في طرح فكرتها البسيطة التي تذهب هي الأخرى صوب فكرة فلسفية أقرب إلى الصوفية، حيث يمتزج في عمارتها الواقعية الشديدة القرب من الواقع حد الاعتقاد، ثم ليتناوب ذلك مع سوريالية أقرب إلى حالة الأحلام والتمني، وحتى الخيال العلمي الذي يحضر في أكثر تفاصيل الرواية. هذا إن لم تكن الراوية قائمة على مثل هكذا خيال، وإن تمّ تغليفه بحالة روحانية إيمانية. إضافة إلى إشراك عدد من الأزمنة في سردٍ ورويٍّ واحد.

تقوم فكرة الرواية على حالة مرعبة من الفقد، الأمر الذي يجعل من إعادة من فقدناهم ممكناً، نحتاج فقط أن نضعهم في موقد الذاكرة ليبقوا حاضرين، حضوراً يكاد يُلمس بأصابع اليقين.

يعترف إيشيكاوا إن رواية "سأعود مع المطر" تقوم على تجربة شخصية، لكنه يُضيف في تفسيره، أو إشارته للواقعي من السوريالي أنّ "العناصر التي تبدو طبيعية، هي العناصر الخيالية، وتلك التي في الغالب تبدو غير قابلة للتصديق، هي العناصر الحقيقية". ويأتي مثل هذا "الاعتراف" ليزيد في حالة الدهشة والإثارة الفنية التي بقيت تُرخي بجماليات الفن على مدى سرد الرواية، وتُعطي ما يُمكن أن نطلق عليه "الصدق الفني". إذا ما علمنا أن عمارة الرواية مبنية على حادثة موت "ميو"، زوجة الراوي- السارد "تاك- كون"، بعد أن أنجبت بولادة عسيرة ابنهما "يوجي"، لكن وهي تُغادر عالم الحياة الدنيا، همست له: "عندما يعود موسم المطر، فإني سأعود دون شك، لأرى كيف تتدبران أمركما أنتما الاثنين".

من جهته، يعتقد تاك- كون إنّ ميو ذهبت إلى "كوكب الأرشيف" والكائن في هذا الكوكب، يبقى هناك حياً؛ طالما ثمة شخص آخر يُحبه، ويُفكر فيه دائماً، وقد دفنه في أعماق قلبه. وزيادة في بقاء ذكرى الزوجة حية وحارة يُقرر الزوج كتابة رواية - سيرة ذاتية عن الحياة المشتركة بين هذين الكائنين التي دامت ست سنوات، غير أنه وفي خضم كتابته الروائية، يقبل موسم المطر بغزارة بعد سنةٍ كاملة على رحيل ميو، وخلال نزهة للرجل وابنه يلتقيان بطيف المرأة أو شبحها، لكنه كان كائناً حقيقياً، هي المرأة ذاتها لكنها فقدت ذاكرتها، تلك الذاكرة التي ستستعاد خلال كتابة تاك-كون للرواية، وبين جموح الخيالات سيحتار القارئ؛ هل يقرأ سرداً روائياً حالماً لشطحات كاتب، أم إن قصة الشبح حقيقية طوال سرد الرواية، والتي ستختم بتعقيب من الزوجة التي اضمحلت مع انحسار موسم الأمطار وعادت إلى كوكب الأرشيف، وكأنها تقوم بإكمال المنجز الروائي عندما تخبره من خلال ملف كانت قد أودعته بحوزة صديقٍ مشترك، أوصته أن يعطيه للزوج مع انتهاء موسم الأمطار، لتخبره بجرعة إثارةٍ إضافية؛ إنها ذات حين من علاقتهما كعاشقين كانت قد تعرضت لحادث سير أدخلها المشفى، وخلالها استطاعت أن تذهب برحلةٍ عبر الزمن سابقة للعلاقة الزوجية، وتعيشُ فترة الستة أشهر، هي مدة موسم الأمطار، تلك التي قضتها مع عائلتها كشبح، وهذا ما لاحظه الزوج عندما وجد زوجته بكراً وعذراء، لتزيد من حالة الأحلام بمختلف أنواعها في الرواية التي تجاوزت مبيعاتها ملايين النسخ، كما تُرجمت لأكثر من لغة عالمية.

يذكر الكاتب تاكوجي إيشيكاوا: شاءت المصادفة أن يتزامن صدور كتابي في اليابان مع حركة روايات "الحب النقي"، فحملتني الموجة في طريقها. تتبع هذه الرواية درب قصة شبح تقليدية، لتستحضر الزمن والذاكرة، محاولةً ألا تحمل إساءة ولا عنفاً، رواية شاعرية، وهذا ما يُعطيها واقعيتها، رواية تؤكد لك أنه لا يُمكن أن يعشق المرء إلا نصفه الآخر الذي تاه عنه ذات حين – مذكرةً برواية بريدا لباولو كويلو- وتُعطي ما يُشبه الثقة أنه قد يحصل للأشخاص أن ينجذبوا مراتٍ عدة إلى الشريك نفسه، وهم بشعورهم ذاك، فإنهم يعودون إلى المراهق ذي القلب المرهف الذي كان عليه. ويردف إيشيكاوا: أنا مندهش، وسعيد بأن صوتاً منبعثاً بشكلٍ طبيعي من أعماقي استطاع أن يصل إلى مقاطعات بعيدة جداً.

----

الكتاب: سأعود مع المطر

الكاتب: تاكوجي إيشيكاوا

ترجمة: راغدة خوري

الناشر: دار دال، اللاذقية