قلة أولئك الذين يعرفون الشاعر السوري الراحل كمال خير بك، أو اطلعوا على تجربته بالعمق والتقدير الذي تستحق رغم نهوضها الإبداعي على جناحي الشعر والنقد. هذه القامة التي قرنت، خلال مسيرة حياتها القصيرة "1935-1980"، القول بالفعل، والفكر بالممارسة على أرض الواقع انطلاقاً من إيمان متجذر بحق الإنسان العربي بالحرية والنهضة الفكرية والاجتماعية.
الكاتب والناقد د. وائل معلا يفتح نافذة واسعة ليعبر الضوء من خلالها مُسَلطاً على تلك التجربة الغنية عبر صفحات كتابه "كمال خير بك، شاعر يرسم معالم النهضة والحداثة". ليأخذنا في رحلة فكرية وأدبية نطل من خلالها على ملامح مشروع طموح في قيمته الإنسانية والإبداعية لم ينل ما يستحق من الأضواء والحضور، لذلك كان لا بد بداية من السؤال "من هو كمال خير بك الشاعر الذي لم تشفع له قامته العالية شعرياً في أن يكون حاضراً ضمن منتديات القراءة العربية المعاصرة للشعر والشعراء. ولم تُعنه حربه الضارية ضد الجهل والتخلف واستنهاض الهمم للتحرر والاستقلال في أن يُسجل حاضراً بين فرسان النهضة المعاصرين أو الحداثيين الذين كان همهم الأساسي بناء مجتمعات جديدة ضمن دولة عصرية".
الشاعر، الذي عُرف باسم "قدموس" فترة انتمائه إلى الحزب القومي الاجتماعي في لبنان، أصدر ديوانه الأول عام 1960 بعنوان "البركان" وتميز "ببصمة تقليدية سواء في الالتزام بعمود الشعر والوزن والقافية، أو في اعتماد موضوعات مطروقة آنذاك ولا سيما الموضوع القومي منها". وفي عام 1965 صدر ديوانه الثاني "مظاهرات صاخبة للجنون" وفيه بدأ يدخل معترك التجريب في الحداثة الشعرية "متكئاً على عوامل متعددة منها: عمق معرفته بالقصيدة التقليدية، متطلبات عصر الحداثة، الظروف والمتغيرات التي حفلت بها المنطقة العربية بعد ضياع فلسطين ونكبة الفلسطينيين". وبسبب الأحداث والخيبات قال وداعاً للشعر ليتفرغ للمعركة الأساسية في مواجهة عدو غاصب، إلا أنه في الواقع لم يغادر الشعر "ويشهد على ذلك قصاصات وأوراق علب الدخان التي كان يستنجد بها ليسجل قصيدة فاجأه تعبيرها في لحظة إشراق" وقام أصدقاؤه في وقت لاحق بإصدارها في ثلاث مجموعات "وداعاً أيها الشعر، دفتر الغياب، الأنهار لا تتقن السباحة في البحر".
يطل علينا الشاعر في صورة المحارب الذي لا يستسلم للفشل الممتد على الساحة العربية "بل يواجهه بحسه الثوري النضالي ليعبر منه إلى فضاءات الأمل المقرون بالفعل المقاتل. فلا الانتظار ولا السحر ولا الكلام يمكن أن تغلق جرحاً أو تدفع ظلماً أو تسترد حقاً. وحدها لغة القوة يفهمها المغتصب":
يا لغة الثورة لا تتعبي
لا تلبسي عباءة الرهبان
بل أوقدي البركان في موكبي وفجري الطوفان
ففي حنايا ثورتي ضحكتي
تكسر صخر القبر والأوثان.
في مرحلة تالية، ومع امتداد التجربة واتساع الرؤية، نجد الرمزية وقد أخذت حيزاً في سياق كتابته الشعرية الجديدة والحداثية "فبعد تموز ورمزية المسيح. يأتي طائر الفينيق ليحترق وينعتق وليتحول إلى ولادة جديدة لأمته الحيرى النائمة في بحر من الضياع والتردي":
جئت كي أُعتق أو انعتقا
جئت كي أحترقا
جئت كي أزرع في الريح رمادي
عله يحمل تاريخي إلى كل بلادي
وكان للشاعر تجربة نقدية عميقة تجلت في كتابه "حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، وهو دراسة حول الإطار الاجتماعي-الثقافي للاتجاهات والبنى الأدبية" وهي رسالة دكتوراه بدأ تحضيرها في باريس، ثم عدلها وناقشها في جنيف. ويرى د. وائل بركات أنها "تشكل مرجعاً أساسياً وذخيرة عامرة إلى الآن في مشهدية حركة الحداثة الشعرية العربية لما فيها من رصد شامل وتحليل عميق لمعالم هذه الحركة نشوءاً وتطوراً وإبداعاً". وقد أهدى الشاعر كتابه النقدي "إلى مجد الشعر في كل الأزمنة".
إضافة إلى الدراسة النقدية التي تصدت بجدارة الوفاء لتقديم معالم صورة هذا الشاعر المحارب، والمقاطع الشعرية التي اختارها الباحث، تأتي الشهادات الواردة في الكتاب لتضفي المزيد من الضوء على هذه القامة في تجربتها الشعرية والإنسانية. ومما جاء في شهادة الناقدة الراحلة خالدة سعيد: "شاعر ترك لنا صوته، ترك رؤاه، ترك أحلامه وصية، وترك لنا أسئلة لا تشفى: هذه الحياة فوق نصل الخطر، ما يكون الشعر الذي يختزن نبضها؟ هذا الشعر المشتعل، أي حياة ألهمته؟ وكيف أقام التوازن في تلك الحياة المثلثة الأقطاب؟".
الكاتب "ناظم مهنا" أكد أننا نواجه في مقالات د.كمال خير بك "ذلك المثقف نافذ البصيرة، المنخرط في قضايا الناس والمجتمع النهضوي، المتفاعل مع الحداثة دون أن يتخلى عن أصالته، ولذلك كتب في السياسة، وفي الفكر الثقافي النقدي، وفي النقد الأدبي، من منظور تقدمي طليعي وملتزم".
وكما كانت حياته "صاخبة" كان موته مثيراً وتراجيدياً، فقد اختلفت السرديات بين قتل بالرصاص أو بغيره، وتعددت الروايات، لكن المؤكد أن ذلك لم يكن بعيداً عن حسابات الرجل الذي "جازف بحيواته من أجل فكرة عليا، من أجل قضية سترويها الدماء طويلاً" وفق تعبير خالدة سعيد.
نتمنى أن يكون هذا الكتاب، بما تضمنه من جهد وإحاطة، فاتحة لمزيد من الاهتمام بالشاعر والناقد والمناضل والإنسان كمال خير بك.
----
الكتاب: كمال خير بك، شاعر يرسم معالم النهضة والحداثة