ثمة لوحة زيتية كانت معلقة على أحد جدران بيت صديقه خالد، وخالد هذا هو ابن أحد رواد الفن التشكيلي السوري الفنان محمود جلال، تلك اللوحة ستكون بمثابة الشرارة التي أوقدت شعلة الإبداع عند الفنان نذير نبعة الذي يُعد اليوم من طلعيي الفن التشكيلي في سورية.
من خلال مشاهدة تلك اللوحة الزيتية للفنان جلال، ستشهد تجربة الفنان نبعة الكثير من الانعطافات والمراحل الفنية، وتأخذ مكانها اللائق في المشهد التشكيلي السوري. هذه التجربة سيلاحقها الناقد طارق الشريف في كتاب بعنوان "نذير نبعة". وخلاله يرصد الشريف ثلاث مراحل لتجربة الفنان نبعة التي برزت في "واقعية" لكنها ليست واقعية صرفة، وإنما تلك الواقعية التي تنهل من اتجاهات ومدارس مختلفة، لتشكّل واقعية نذير نبعة التي نعتها الباحث بـ "واقعية مبسطة، ومعبرة"، واقعية قادرة على التواصل مع المتلقي، والتعبير عما يرغب فيه من رؤى ومواقف فكرية، وفنية، وتوليد الفن العميق والأصيل من أبسط الأشكال عادية وألفة.
إذاً من هذه "الواقعية" كانت انطلاقة الفنان نبعة، وهذا ما تكشفه لوحاته الأولى، والتي تكشف أيضاً قدرته على التعبير بالخطوط، والنفاذ إلى أعماق موضوعاته مبتعداً عن النقل المباشر.
كانت شهقة الحياة الأولى في منطقة المزة القريبة من دمشق عام 1938 حيث الطبيعة الريفية الساحرة قبل أن تصبح المزة من مناطق الزحام الدمشقية. وفي تلك السنين المبكرة يمضي فترة التمرين الأولى في مرسم الفنان ناظم الجعفري الموغل بتصوير دمشق القديمة، والذي عزز لديه الاتجاه الواقعي. بعد ذلك سيتأثر بشغل الفنان نصير شورى وأعماله الانطباعية التي سيتخذ اتجاهاً بعيداً عنها، لا سيما بعد أن يتعرف على تجارب الفنانين أدهم ونعيم إسماعيل، ومن ثم مروان قصاب باشي، وبرهان كركوتلي، كل ذلك شكّل مرحلة التكوين الأساسية للفنان نبعة التي صقلها خلال دراسته في القاهرة حيث توج ذلك بأول معرض له عام 1965 في "صالة الفن الحديث العالمي" بدمشق. وخلال هذه المرحلة قدم الواقعية بصياغة جديدة أقرب إلى التعبيرية، لأنه لجأ خلالها إلى التحوير، وإلى تقديم الإنسان في وضع استلاب كامل، كما قدم عناصر مختلفة اعتمد خلالها على مهاراته الفنية في التنفيذ، وحمّل لوحاته الأفكار والأساطير والعناصر الرمزية، وربما أسماء لوحاته تعطي إشارة لما اتجه إليه في عمارته الفنية الجديدة مثل: "الطلسم، ننليل، كاهنة مردوخ، صرخة سيزيف، الزير، وغيرها".
وكانت العودة إلى الأساطير السورية القديمة، والاستفادة منها، بتحميلها المضامين الجديدة، محاولة سابقة في زمنه لما سيشتغل عليه الفنانون كثيراً فيما بعد. وبرأي معد الكتاب، فقد حققت تجربة نذير نبعة التي عرضها في المعرض الأول نجاحاً كبيراً تأثر خلالها بمدارس مختلفة كالواقعية، السريالية، التعبيرية، وغيرها من الاتجاهات، ومحاولة دمجها مع بعضها للوصول إلى شيءٍ شخصي وتقديمه. غير أنه كان قد شعر أن ما قدمه لم يكن على صلة بالفن المحلي، فكان أن اتجه صوب المرحلة الثانية بحثاً عن أسلوب شخصي على صلة بالواقع من جهة، وعلى ضوء مفهوم حديث للفن من جهة أخرى، فقدم الصيغة الفنية الواحدة، القادرة على التعبير عن شتى الموضوعات الهامة، والقادرة على التفاعل مع الموضوع. في هذه المرحلة لجأ إلى صياغة شاعرية للأشكال حين رسم النساء والأطفال، إذ قدّم الشكل بالخط وحده، الذي يحدد المرأة ويقدمها لنا الكتلة اللحمية التي ضخمت الشكل وساعدت على التأكيد على أهمية الموضوع، وعلى قدراته على التعبير عن المضمون. وهكذا توصل إلى الصيغة الأكثر بساطة، مختزلاً التفاصيل، ومؤكداً على العناصر الهامة، ومرجعاً الشكل إلى صيغة مختزلة، قابلة لتأخذ كلّ المضامين، وربط هذا الشكل المختزل بالبيئة المحلية.
أما المرحلة الأحدث في تجربة نذير نبعة، فقد تمثلت بالصيغ الفنية التي ارتضاها لنفسه والعالم الخاص الذي نستطيع اعتباره محصلة لكلّ تجاربه السابقة، وتجاوزاً لها، معمقاً في التعبير مع بساطة وواقعية دقيقة مفهومة مع رموز محلية، مع ما توحي به.
جاء ذلك بعد رحلة بحث عن الذات – كما يصفها الباحث – وذلك عبر التيارات والاتجاهات الفنية المختلفة التي تعرف فيها على مختلف أشكال التعبير الواقعي، وخلالها أيضاً ازداد الفنان نبعة قرباً من الأشياء التي تحيط به، وأصبح الإنسان يعيش في لوحته في عالم متكامل يحيط به العنصر الحيواني – طيور، قواقع، وأشياء أخرى – متناولاً الموضوعات الإنسانية بعيداً عن المباشرة وأكثر استقلالية عن غيرها، عبرت عن قضايا إنسانية بشكلٍ جديد.
توصل نبعة إلى الرسم الواقعي الدقيق، وظهرت قدرته على التعبير بالمهارة المطلوبة، والشكل الذي اختاره من أجل التعبير من موقفه بلغة قريبة قادرة على الإيصال. فسعى إلى اكتشاف لغة شخصية خاصة به، وقدم للوحاته التأليف الأعمق والجديد، بإضافاته الفنية التي تجاوزت الماضي بالانتماء لما هو معاصر.
يقدم نذير نبعة واقع الإنسان المعاصر بلغة واقعية، فيها الكثير من الرموز والإيحاءات والعمق. هذا الواقع هو واقع تراجيدي، وهو واقع يملك أكثر من جانب، وله أكثر من وجه وتفسير. ولهذا يرى الباحث الشريف أن دراسة تجربته ترتبط ارتباطاً عميقاً بدراسة مفهومه للواقعية، ورؤيته لواقع الإنسان.
----