عندما يُكرر التاريخ نفسه، نكون في هذه الحالة- إضافةً إلى المأساة- أمام المهزلة، فما أشبه اليوم بما جرى قبل مئة سنة، عندما قامت الإمبراطورية العثمانية - التي لم يعرف التاريخ مثيلاً لدمويتها وتخلفها، ومع ذلك حكمت العالم العربي ما يُقارب الأربعمئة سنة - بقتل "أمة" أرضاً وشعباً، أمة عريقة عمرها من عمر مكان سكنها وإقامتها؛ الأمة الأرمنية التي كانت تصل حدودها الجغرافية للتماس مع سورية الفينيقية في الشمال.
كان مسرح جريمة بني عثمان هي أرضروم "أورفة وطربزون وديار بكر" وغيرها من مناطق الأمة الأرمينية، أو ما كان يُطلق عليه بـ "أرمينية الغربية"، وهكذا اغتيلت أرض، كما اغتيل شعب بأكمله، لم يُماثله في الفجيعة سوى ما قام به المهاجرون الأوروبيون إلى العالم الجديد بشعب الهنود الحمر وعلى أرضهم في الولايات المتحدة الأمريكية.
صحيحٌ أن بـ "رقبة" الامبراطورية العثمانية أكثر من مجزرة لأكثر من شعب آخر، أو فئة أخرى غير الأرمن، لكن - ربما - من حسن حظ شعب الأرمن، أن توفر له من يُوثق مأساته، ويُسجلها كراية عار للخساسة البشرية، التي مارستها جماعات متوحشة بحق شعب آخر، يُفترض أنه يعيش في كنفه.
مناسبة هذا الحديث، هو كتاب "شهود عيان عن الإبادة الأرمنية في الامبراطورية العثمانية" للبروفيسور أرشاك بولاديان، وفيه يجمع الباحث وثائق لشهود عيان، كانوا على تماس مع المأساة، تأثروا بها حتى اقشعرّت أبدانهم لهول الفاجعة وخساستها، التي لم يكن لها من سبب يُبررها، إلا كما ذكره المؤلف والناشر بعقدة النقص من عصابات متسلطة تجاه شعب مسالم يعشق الحياة بما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
قتل متعمد وممنهج من قبل الامبراطورية العثمانية لأكثر من مليون ونصف المليون أرمني بين عامي 1915 - 1916 من بدايات القرن العشرين؛ هُوجموا بوحشية لم تفعلها الحيوانات؛ وكان أن قيمها العالم بأن أطلق عليها بـ "الجريمة الكبرى"، فقلما تعرض شعب من شعوب الكرة الأرضية إلى عملية إبادة وتهجير قسري وإرهاب في وطنه مثلما تعرض له شعب آمن كالأرمن على أيدي الطغاة الطورانيين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. هذه الجريمة التي وثقها الكثير ممن شهدوا هولها، ودونوا فظائعها بكتب بقيت وثائق تُذكّر بالجريمة على مدى الإنكار التركي لها، باعتبار الحكومات هي الوريثة للطغاة، ولاتزال هذه الحكومات تمشي على ذات السلوك الإجرامي العثماني القديم، وثمة مؤشرات على "إحيائه" بكل وحشيته.
من هؤلاء الشهود الذين سجلوا الجريمة: المحامي السوري فائز الغصين، ونعيم بك التركي، والعلامة الأب إسحق أرملة السرياني، وفي تلك الشهادت - الكتب، يدور الحديث عن الفظائع التي ارتكبها قادة حزب تركيا الفتاة ضد الشعب الأرمني، والتي هي مدار حديث الباحث في هذا الكتاب الذي ذيّله بملحقات عن خسائر الأرمن، وقرار المحكمة الدائمة للشعوب في جامعة السوربون بباريس وصور للمجازر الأليمة.
عاش الأرمن ما يُقارب من الثمانية قرون تحت السيطرة التركية، ففي أواسط القرن الحادي عشر اجتاحت جحافل قبائل الأتراك السلاجقة من آسيا الوسطى منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي خلق واقعاً معقداً مهّد لتشكيل الإمبراطورية العثمانية، فقد كان انهيار المملكة البقرادونية في أرمينيا عام 1045 من قبل الإمبراطورية البيزنطية أن فتح المجال أمام الأتراك السلاجقة بغزوها عام 1047، وبعد عدة هجمات قاسية سقطت العاصمة "آني" عام 1064 وتمكن السلاجقة من بسط نفوذهم على أرمينيا في معركة "مانازكيرت" جراء هزيمة الجيوش البيزنطية. وبحكم معاهدة الصلح بين الطرفين، اعترفت الإمبراطورية البيزنطية بحكم السلاجقة في أرمينيا وآسيا الصغرى. وفي أواخر القرن الرابع عشر تحديداً في عام 1387 خضعت أرمينيا نهائياً لحكم القبائل التركمانية التي اضطرت بعدها للتنازل عنها للسلطان العثماني محمد الثاني عام 1473، وبدأت مرحلة ظالمة ودامية في تاريخ الشعب الأرمني. غير أن الحروب المتواصلة بين الدولتين العثمانية والفارسية، أسفرت عن تقسيم أرمينيا، فأطلق اسم "أرمينيا الغربية" أو العثمانية على ست ولايات هي: بتليس - بدليس، أرزن الروم - أرضروم، فان - وان، معمورة العزيز "خربوط، خاربيرت"، وسيواس وديار بكر.
كما أطلق اسم أرمينيا الفارسية على المنطقة الممتدة على الضفتين الشرقية والغربية لنهر أراكس - الرس، ومدينة يريفان عاصمة أرمينيا الحالية، وناخيجفان واتشميادزين - المركز الروحي للأرمن، وجبل أراراط. وفيما بعد شكلت أرمينيا الفارسية أرمينيا اليوم بعد التدخل الروسي، ومنذ استقلالها عن روسيا أواخر القرن العشرين، بقيت أرمينيا الغربية تحت النار حتى التطهير والإبادة.
ففي مطلع القرن التاسع عشر، جرت في الإمبراطورية العثمانية سلسلة من الأحداث، حيث أخذت بعض الأقاليم الأوروبية العثمانية تتوق إلى حكم ذاتي أو استقلال، وحينئذٍ تبنت روسيا القيصرية سياسية مد نفوذها صوب المياه الدافئة في البحر المتوسط، فعمدت على تقويض النفوذ العثماني بإثارة الطموحات القومية لدى المسيحيين من اليونانيين والسلاف في البلقان، والأرمن في الأناضول. ونتيجة نجاح الثورة اليونانية لجأ الأرمن إلى روسيا لتخليصهم من نير التسلط التركي، وشارك الأرمن عام 1828 الجيوش الروسية خلال زحفها على إيران والتي استولت على الشطر الشرقي من أرمينيا، التي ضمتها لنفوذها. غير أن تدخل الدول الأوروبية لا سيما ألمانيا وفرنسا وبريطانيا إلى جانب تركيا، أعاد النفوذ التركي أرمينيا الغربية إلى تركيا، ومن حينها بدأ الانتقام والإبادة والتطهير الذي طال الأطفال والنساء، حيث استأجرت الحكومة التركية حتى القصابين لتنفيذ المجزرة، وكان أن استغلت حينها جهل أكراد المنطقة وفقرهم ليكونوا أداة الجريمة؛ تقطيع وحرق وسبي واغتصاب كصورة قديمة لداعش والنصرة اليوم وشقيقاتها التكفيريات، واللواتي كنّ أداة الأتراك في غوائل سورية والعراق في القرن الواحد والعشرين. إنها المهزلة التي تتكرر على مدى تاريخ.
----
الكتاب: شهود عيان عن الإبادة الأرمنية في الامبراطورية العثمانية