يرى المفكر محمد عابد الجابري أن العلم العربي، علم الخوارزمي والبيروني وابن الهيثم وابن النفيس "خارج الحركة الثقافية العربية، فلم يشارك في تغذية العقل العربي ولا في تجديد تواليه وفحص قبلياته ومسبقاته، فبقي الزمن الثقافي العربي هو هو ممتداً على بساط واحد من عصر التدوين إلى عصر ابن خلدون. وركد هذا الزمن، وتخشبت موجاته منذ عصر ابن خلدون إلى عصر النهضة الحديثة التي لم تتحقق بعد".
العقل يحكم العالم، هي عبارة أناكساغوراس الشهيرة، والتي لا تدع مكاناً للشك في أي مصادفة، بل تؤكد على مبدأ الضرورة. ويقول مالبرانش "إن العقل الذي نهتدي به، هو عقل كلي، عقل دائم وضروري"[1]. فالعقل يملك قابلية لأن يتخذ من ذاته موضوعاً، وأن يتخذ من معطياته موضوعات. فالعقل طاقة المعرفة ومرتكزها أو حاملها في مستوى الذات الإنسانية. وإن تاريخ تطور المعرفة مشروط بتاريخ تطور العقل، المرتبط بالضرورة بتاريخ التطور التقني والأيديولوجي والاجتماعي للإنسان.
إذاً، العقل حامل معرفة وطاقة تجريد ومركز التفكير والأحكام وملكة متعالية، شكلت التفوق النوعي للإنسان بوصفه كائناً فكرياً. ويبدو الوقوف ضد العقل أيضاً، حالة تحدث ضمن دائرة العقل، فالعقل يتخذ ذاته مقياساً لنفيه، أو هو ميدان التعبير عن نفيه. لذلك نجد أن اللاعقلانية، تعبر عن نفسها دائماً بوسائل عقلانية. وقد وجدت الوجودية نفسها – أثناء هربها من العقل إلى الجنون – أنها إنما تعود إليه بمخيلة أخرى.
مراتب العقل
قسم أرسطو العقل إلى مرتبتين، الأول: العقل الفاعل أو القدرة التجريدية التي تحرر المعنى الكلي من توابعه الحسية الجزئية. والثانية: العقل المنفعل، أي القوة التي تستقبل قدرة العقل الفاعل وتنطبع فيها الصورة. وحين وصلت الفلسفة العربية إلى أوجها، اشتغلت على موضوع العقل، ورتبته بطريقة هرمية من المادي إلى المقدس، مضيفة نسقاً جديداً إلى الترتيب الأرسطي، الذي كان مسيطراً في العالم، حتى ذلك الوقت. وجاء الترتيب العربي على الشكل التالي: 1-العقل الهيولاني، أو العقل بالفطرة؛ 2-العقل المكتسب، أي المعرفة الأولية المستمدة من أفعال التعليم؛ 3-العقل بالفعل، أي اكتساب المعرفة والقدرة على استعمالها؛ 4-العقل المستفاد، أي امتلاك ناصية العلوم؛ 5-العقل الفعال، أي الموضوعية اللامادية للعقل؛ 6-العقل الظاهر، مرحلة فعلية العقل الفعال وصدوره من ذاته إلى العقل المستفاد؛ 7-العقل المقدس، مرحلة المعرفة المطلقة التي يلتحم فيها العقل الفعال مع العقل المستفاد. وهذه المرحلة هي مرحلة المعرفة المطلقة.
وبهذا فتحت الفلسفة العربية عصر العقل وباب العقلانية بقوة لا مثيل لها، حتى إن جابر بن حيان، تجاوز الأمر وتحدث عن لامحدودية سلطة العقل ومنطقة معرفته، إذ قال: "العلم نور، والعقل نور، فالعلم عقل، والنور عقل؛ كل واحدة من هذه يمكن أن تكون مقدمة، ويمكن أن تكون وسطاً، فتقول: كل علم عقل، وكل عقل نور، فالنتيجة كل علم نور؛ وكذلك إذا قدم العقل وجعل العلم وسطاً، كان كذلك (يعني أنك تستطيع أن تقول: كل عقل علم وكل علم نور، فالنتيجة كل عقل نور) وكذلك إذا قدِّم النور وجعل العلم وسطاً، فكان: كل نور علم، وكل علم عقل، فالنتيجة كل نور عقل"[2].
ظهرت في الغرب نظريات محدودية العقل، التي حصرت العقل داخل إطار المعرفة الممكنة، ولم تقبل اعتبار العقل مبدأ أولياً مطلقاً للمعرفة الكلية الشاملة، وتكتفي به حاملاً للمعرفة. وقد مثّل هذا التيار كلّ من ديكارت وكانط وتشارلز بيرس ووليم جيمس. وفيما جاءت نظريات لامحدودية العقل، لتعلن اتجاهاً معاكساً للأول، واتخذت العقل مبدأ أولانياً يملك قدرة كلية على استنفاد مناطق المعرفة والنفاد إلى أعماق الكينونة أو الوجود في ذاته؛ وقالت بأن العقل لا يرتكز إلى قاعدة سابقة عليه.
ابن رشد
أما عربياً، فقد نشأت الفلسفة العربية على يد الفيلسوف الكندي، الذي أخذ على عاتقه التصدي للعقل المستقيل، إذ كان يمثل الكندي إلى جانب المعتزلة دولة العقل، التي ترأسها المأمون والمعتصم. قسم الكندي النفس على المنهج الأرسطي، ووجدها عاقلة. وحاول التوفيق بين العقل والشرع. وبهذا فقد مهد الطريق للفلاسفة الإسلاميين، للغوص في شرح هذا التوافق. ولكن بعضهم رجح الجانب العقلي على الجانب الشرعي، درءاً للوقوع في التناقض. فنجد أن الفارابي يرى العقل ليس بحاجة إلى غيره، فهو يكفي نفسه بنفسه، ولا يحتاج إلى معلم، وهو يكتشف وجوده بين الموجودات. وعلى الطريق نفسه سار ابن سينا، وابن باجة من بعده.
جاء ابن رشد وأعاد شرح أرسطو، المهيمن على الساحة الفلسفية العربية. وكان ابن رشد مثقفاً كبيراً، فهم أرسطو أكثر من ابن سينا والفارابي والكندي، واستطاع أن يبين ما علق بفلسفة أرسطو من الفلسفة اليونانية القديمة، وأخيراً أتبعها بإضافاته العربية القيمة.
بقيت مؤلفات ابن رشد وابن خلدون تدرَّس في الجامعات الأوروبية حتى نهاية القرن التاسع عشر، وقد قامت النهضة العقلية الأوروبية، في جزء منها، على شروحات ابن رشد لأرسطو، حتى أطلق عليه (الشارح الأكبر).
والآن، ماذا بقي لنا من عقلانية ابن رشد؟ وماذا بقي لنا من عمران ابن خلدون؟
أبواب العصر الحديث
لا يسعنا إلا أن نعترف باستقالة العقل العربي من عمله، وبتسيّد العقل الغربي بكل نتاجاته على مساحات وعينا، ذلك العقل/ الغربي الذي اعتمد في قفزته العملاقة على رياضيات الخوارزمي وعلى شكّ الغزالي وعلى نظرية التطور عند إخوان الصفا وعلى علم الاجتماع والعمران الخلدوني. أدرك الغرب أن انطلاقته الجديدة يجب أن تقوم على الاستفادة من كل ما أنتجه الإنسان في أي مكان على الأرض. تسلح الغربي بالعلم والمعرفة قديمها وحديثها، ووقف أمام نفسه يحاسبها ويقسو عليها، كي ينتج إنساناً جديداً داخل وعيه.
أما نحن، فقد توقفنا عن إنتاج كل ما يفيدنا ويطورنا، واكتفينا بالوقوف على أبواب العصر الحديث، لا نملك سوى الدهشة والذهول.
استطاع الاستعمار أن يجزئ وطننا العربي، متعمداً تجزيء العقل العربي، وإشغاله بلملمة جراحاته التي أثخنه بها، من دون أن يعي العربي نفسه، أو أن يفكر قليلاً بقدرته على استعادة ماضيه، وحقنه من جديد في قلب المعرفة الكونية الجبارة. وبدلاً من أن يتعب نفسه بالتفكير، استغنى عن العمل، وتحول إلى متلقٍّ ومستورد لكل ما ينتجه العقل الغربي.
ليس عيباً أن نفيد من كل ما نراه يناسبنا، ولكن العيب أن ننعزل عن العالم ونتكور في زاوية شبه مظلمة، ثم نسخط بشدة حين نُتَّهم بأننا لا نرسم خطاً بسيطاً في لوحة العالم الحديثة.
أين موقع العقل العربي الآن في العالم؟
يرى الجابري أن العلم العربي، علم الخوارزمي والبيروني وابن الهيثم وابن النفيس "خارج الحركة الثقافية العربية، فلم يشارك في تغذية العقل العربي ولا في تجديد تواليه وفحص قبلياته ومسبقاته، فبقي الزمن الثقافي العربي هو هو ممتداً على بساط واحد من عصر التدوين إلى عصر ابن خلدون. وركد هذا الزمن، وتخشبت موجاته منذ عصر ابن خلدون إلى عصر النهضة الحديثة التي لم تتحقق بعد"[3].
وإذا تساءلنا عن إمكانية قيام عقلانية عربية، في ظل هذه الظروف، فماذا يمكننا أن نجيب؟
من المنطقي، ورغم كل الضباب الكثيف، أن نقول إن عصور الظلام في أوروبا كانت أشد هولاً من عصرنا بكثير، وربما كان هذا السؤال عن موقع العقل مركزياً في تلك الفترة. وإذا أردنا النهوض العقلي فعلاً، فعلينا أن نحفر في تاريخنا، وفي تاريخ العالم كله، وأن نواجه أنفسنا بلا خجل، ونحن نتسلح بوعي موضوعي، ورؤية عقلانية علمية تاريخية ونقدية متجددة.
نعم، لقد تفوق العرب في وقت سابق، تفوقوا عندما تآزرت الظروف وساعدتهم، أي عندما كانوا يريدون أن يصنعوا الظروف ويخضعونها بنيران عقولهم الجبارة. والآن لم يعودوا قادرين حتى على تكوين منهج عقلي، أي أنهم – حسب الجابري- صاروا من أصحاب العقل المستقيل.