لا بد لمن يطلع على "السيرة الذاتية" للفنان التشكيلي فاتح المدرس- الذي كان واحداً من سدنة الجمال في الوطن السوري على مدى أكثر من نصف قرن- لا بد سيحفل على قصص وحكايات ليس لمسيرة مبدع – شخص وحسب، بل سيتلمس مرحلة هامة في مسيرة سورية، حيث انجدلت في كثير من مفاصلها مع حياة هذا المبدع الاستثنائي.

تلك السيرة أو المسيرة يرويها الباحث محمد جمعة حمادة في كتابه (جمر تحت الرماد – فاتح المدرس رحلة الحياة والفن). هذه الرواية التي تنحو على أكثر من مستوى، فتارة تتجه باتجاه التأريخ والتوثيق، وطوراً صوب منحى الرواية الأدبية القائمة على السيرة، وحيناً تأخذ منحى الدراسة التي تتناول تجربة لونية وأدبية لفنان تشكيلي لم يكن عابراً في المشهد اللوني والجمالي في سورية. فكيف لحكاية رجل أن تكون من الغنى والثراء، بحيث تجتمع في مفاصلها حكاية مدينة، التي هي عاصمة الشمال السوري – حلب، ومن ثم تكون الإستفاضة بحكاية الرجل والمدينة لتتمدد على بلاد الشام؟

فحمّادة، وقبل أن يصل إلى هدفه – الفنان التشكيلي- سيستفيض طويلاً بحكاية المدينة الشمالية مركزاً على التفاصيل في "ملامح حبيبة في مدن الحجر" فيُقدّم مشهد المدينة العتيقة، بتلالها ومعالمها الشاهدة وتسمياتها، أسواقها وسويقاتها، ومحلاتها منذ قرون إلى مشهد ولادة فنانها، ومن هنا يذهب باتجاه عائلاتها وصولاً إلى آل المدرس "النشأة والمصير" مسلسلاً النسب والأنساب إلى "بورتريه" عائلة المدرس الإقطاعية، وهنا في "إقطاعيتها" ستكمن مأساة فاتح، وربما قد تكون هنا أيضاً بواعث إبداعه.

لم تتحمل العائلة الإقطاعية خروج ابنها عبد القادر المدرس مرتين على تقاليدها، الأولى في ولائه لثوار إبراهيم هنانو في مقارعته المحتل الفرنسي، ومن خروجه الثاني بزواجه من فلاحة كردية، ومن ثم كان مصيره المحتوم – القتل للحفاظ على إرث العائلة وهو في ريعان شبابه، وهذا ما أثّر على ولده فاتح "الموزع" الانتماء بين اتجاهات كثيرة، جبال وريف ومدينة، غنى وفقر، وحب وكره. غير أن كلّ هذا التنوع كان له أثره الإيجابي في غنى تجربة تشكيلية، كانت من أهم ملامح التشكيل السوري، وستبقى لزمن طويل.

بعد هذا السرد التراجيدي لتشكل فاتح المدرس، ثمة منعطف آخر لكن هذه المرة باتجاه منحى آخر يسجله حمادة في مسيرة المدرس، وهنا ستتسع مساحة الجمال خلالها، بدأ ذلك منذ دراسته في لبنان، ومن ثم اطلاعه على بدايات التشكيل هناك، حيث كانت أولى لوحاته التي رسمها لوجه الناقد المعروف "مارون عبود" الذي عرفّه حينها على الفنان قيصر الجميّل عام 1958، وأطلق عليه لقب "جبران سورية". غير أن لوحة "خاتم الخطوبة" كانت أن مثلت البديات الفنية التشكيلية الناضجة، والتي عبّرت عن حالة اجتماعية وجدانية، كان يعيشها الفنان آنذاك، حيث بدا الخاتم في تلك اللوحة أشبه بهالة القمر مثبتة بخيوط العنكبوت للتأكيد على الحلم الواهن الشاغل لليل عشقه. بعد ذلك ينتقل السرد، ليأخذ ضمير المتكلم، وهنا هو صوت فاتح المدرس نفسه، فيذكر: مع بداية الخمسينات بدأت أطرح نفسي كفنان تشكيلي في الوسط الثقافي في مدينة حلب، وكان اشتراكي في أول معرض رسمي أقيم في دمشق، وكان مفصلاً هاماً في حياتي الفنية، فقد حازت لوحتي "كفر جنة" – اسم لمصيف شمال حلب- على اهتمام الناس فاقتناها المتحف الوطني.

يقول حمادة: تطل نافذة اللوحة عند فاتح المدرس على ذاكرة الطفولة المفردة، وعلى ذاكرة الأرض الجمعية، وتتجسد تجربته الإبداعية من خلال بحثه الدائم عن الذات الحضارية، ومن هنا فمعالم لوحته تتطابق مع جغرافية الأسطورة وتبصيمات الذاكرة السورية التي تفترش آلاف السنين، مندمجة مع سيرتي الذاتية والعائلية المأزومة، ومع ملحمة الوجودية في سعيها نحو الحرية الإبداعية. هكذا أرصد غبطات وأحزان وشموس ومناطق الشمال الريفي الذي تتالى فصول توجعاته وأقداره.

أما المدرس نفسه، فيقول: لا تشرح لوحتي الأساطير، ولا تروي خباياها المثيرة، بقدر ما تعيش نبضها اليومي من خلال مجتمع الريف، وفي مدنها الحية مثل مدينة "معلولا" الآرامية المحفورة في الصخر، والسافرة حجيراتها أمام الشمس والصباغات الكلسية. ويضيف: أبحث في هذه المدن – صيدنايا، تدمر- عن كائنات إبداعية تتكاثر في عرق الأرض وتتجذر مع أشجارها حتى إنني طردت المدينة من لوحتي وتمسكت بهذه البيوت الطنية أو الحجرية التي نحتت فيها الوجوه الآرامية، البابلية، الكنعانية والفينيقية في ممالك ماري، أوغاريت، تدمر، وغيرها.

توصل فاتح المدرس في تجربته الفنية إلى "اللوحة التعبيرية الذاتية" التي تحمل الطابع الشخصي، والقادرة على دمج الموضوعات التي تعالجها ضمن رؤيتها وتحقق استقلالها عن جميع الأشكال والصيغ السابقة بنقل الواقع حرفياً، ولا تحاكي تفاصيله بقدر ما تترجم العالم الذاتي، وتقدم الموضوع عبر الرموز والقصص والأساطير. اعتمد الأسلوب التعبيري الذي لا يولي التصورات القبلية أية أهمية عند التعبير الفني. فهو لم ينطلق في تجاربه المبكرة من التجارب الواقعية – كما فعل غيره- وحين رسم الطبعية أعطاها ما هو ذاتي، وألحّ على الصياغات الشاعرية للطبيعة. وقدم الرسم المباشر باللون والحركة الانفعالية التي تعكس حالات هي بين الوعي واللاوعي، وبشكلٍ عام عكست تجاربه المعاناة الداخلية، والتأزم الذاتي، كما وجد المدرس في السريالية ما ساعده على التعبير عما هو مخزون، ثم اكتشف أن الصيغة التعبيرية هي الأقرب إلى شخصيته، والأكثر قدرة على التعبير عن الأعماق، تقديمه، وربط الموضوع الذي يرسمه برؤيته، ليقدم التعبيرية التي تُلخص الشكل وتحوّره، وتربطه بالإنسان وما يعانيه، وقدّم اللون ليس مجرد لون، بل لون ومعاناة.

وفي مرحلة ثانية كان له تطوير أسلوب شخصي متميز له حضوره الفني، فأدخل تجربته التعبيرية في المفاهيم الحديثة، والتي ترتبط بما هو محلي وخاص، وأعطى التعبيرية وجهاً مستقلاً عن التجارب التعبيرية الأوروبية. فقد رسم "الإنسان" بشكلٍ مختزل، يكشف به عن مفهوم خاص، و"المأساة" عبّر خلالها بالوجوه الإنسانية، فقد وضعها في "حداد"، أو أضاف إليها "الصليب"، وأما "الطبيعة" فقد وضع الأشكال البشرية المختزلة على مساحة مائلة تمثّل الأرض. فيما "الواقع" كان ارتباط بالواقع الريفي، وأزياء تذكرنا بأشكال النحت القديم، وأما "التراث" فظهر في كثير من تجاربه بعض العناصر الفنية التي تحس بأنها متنوعة من التراث القديم، وأخيراً "اللون" الذي لعب دوراً كبيراً في التأكيد على الجانب التعبيري، ألوان حمراء وسوداء في تضاد استغله لصالح مضمون لوحته، وكذلك هي الأشكال البشرية والنباتية، وحتى الأشياء.

كمال الشكل الفني لم يكن هو الغاية في حدّ ذاته، فهو لم يسع إلى اتساق التكوينات والتشكيلات وحدها كغاية – كما فعل الفنان الأوروبي المعاصر- بل أراد من الأصالة أن تكون إبداعاً يتجاوز اللعب التشكيلي إلى تحقيق مضمون له صلته بالواقع وما فيه. وهذا ما افترض وجود لغة فنية حديثة لها قدراتها على أن تكون متناسقة عبر سيرورتها، وخلالها قدّم للمشهد التشكيلي نتاجاً يحمل طابع التحدي للمفاهيم الشائعة عن الفن.

----

الكتاب: جمر تحت الرماد – فاتح المدرس رحلة الحياة والفن

الكاتب: محمد جمعة حمادة

الناشر: دار بعل، دمشق