"الشعر والمسرح، عولمة الدراما وتغريب الإنسان، لغة الشعر في المسرح العربي، الواقعية وانحسار المسرح الشعري في العالم العربي، وغيرها" من القضايا المسرحية الكثيرة التي تمّ الحديث عنها لزمن بدا طويلاً، قضايا مسرحية درسها المسرحي السوري محمد بري العواني في مجموعة أبحاث وصدرت في كتاب بعنوان "دراسات مسرحية".
هي قضايا طالما كانت مثار نقاشات هي من عمر المسرح في الديار العربية، حيث يرى العواني أنّ الحديث عنها لا يزال مطلوباً، ليس لأنها قضايا إشكالية وحسب، بل لأنها لا تزال قائمة من جهة راهن المسرح العربي وسيرورته وصيرورته، وقد اتجهت مذاهب شتى على أثر بروز ظاهرة المسرح التجريبي خلال ثمانينيات القرن العشرين، حيث اتفقت تلك "الأخلاط" من الاتجاهات على أمر واحد هو الابتكار في الأشكال البصرية جسداً وفضاء وسينوغرافيا وغير ذلك، وهذا ما أبعد الإنسان الاجتماعي عن ميدان الاهتمام بمشكلات حياته المتنوعة.
وفي بحثه "الحاجة إلى بريخت" كانت غاية الباحث إثارة الحوار مرة أخرى حول الأصول الاجتماعية للمسرح التجريبي الذي أنجزه الألماني برتولت بريخت، وذلك للتأكيد على حاجة المسرح العربي المعاصر إلى تلك الرؤى الاجتماعية – التاريخية المناقضة لمنطق موت التاريخ، كون المسرح العربي بالتحديد يُعاني دوراً بسبب انحساره عن موقعه الذي كان متقدماً. وقد تجلى ذلك في كثير من الهرطقات والتجارب الشكلانية التي جعلت المسرح مجرد وسيلة لأفكار وأخيلة تكاد أن تكون في عمومها مريضة وهم الحداثة من حيث الموضوعات والمضامين، الأمر الذي يقود إلى إنتاج أشكال مستغلقة على كثير من المختصين في العلوم المسرحية. ويُذكّر بري العواني بما آل إليه المسرح العربي منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين وحتى الآن من تراجع على صعيد كتابة وإبداع النص المسرحي الأدبي ومعالجة موضوعات عروضٍ وحسب، هي أشبه برأي الكاتب بالسيناريوهات منها بالأدب المسرحي الدرامي، وبذلك تضيع على الإنسانية فرصتان: فرصة احتفاظها بنص أدبي مسرحي مثل: أوديب ملكاً، هاملت، بيت الدمية، منمنمات تاريخية، وغيرها. وفرصة عرض مسرحي يُخلد في الذاكرة الجمعية – الاجتماعية بعيداً عن إدهاشات البصريات والسمعيات بما يخدم اللحظة الحاضرة فقط. ذلك أن المشكلة تنهض من كون المسرح فناً زمانياً يتلاشى بتلاشي التّماس المباشر بين الجمهور والممثلين من جهة، واختلاف طبيعة العرض في هذه الليلة عن عرض ليلة سابقة أو عرض ليلة تالية، بسبب اختلاف الجمهور وتفاعله من جهة أخرى. كل ذلك يدفع إلى وقفة تأمل تسترجع بعضاً من ذاكرة إبداعية تربط الإبداع بالمجتمع وبالحاجة الضرورية إلى أن يسمو الإنسان في عالم مفزع معولم. إنّ الحاجة إلى بريخت نابعة من أنه شاعرٌ مسرحي حقيقي، وإنسان لم يبتعد يوماً عن شؤون العالم، وعلى هذا فإنّ مسرح بريخت يقدم الإنسان تاريخياً على أنه الأصل في صنع الحياة.
يرى بري العواني أن مسرح الرواد العرب يُشكل اتجاهاً مسرحياً واعياً نحو تأصيل ظاهرة مسرحية عربية، رغم اعتراف رائدها الأول مارون النقاش أنّ المسرح "ذهب إفرنجي"، ولكي لا يكون الإفرنجي هو السائد توجه به إلى مظاهر التراث ومصادره لينهل منها موضوعاته وأشكاله وأطره الحكائية والسردية والغنائية بهدف تأسيس وصوغ خصوصية أو هوية ثقافية عربية، وفي التطور اللاحق وبخاصة في المرحلة بين الخمسينيات ومنتصف سبعينيات القرن الماضي نهض المسرح العربي، وبرزت أسماء مبدعين كثر، يضاف إلى ذلك تلك العلاقة الجيدة بين العرض المسرحي والجمهور، غير أنّ المسرح العربي كان يتنازع التركيز على أحد أمرين: الأول: ما هو أيديولوجي، والثاني: ما هو فن وتقنيات وجماليات، والثاني هو ما ركّز عليه المسرح العربي منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، وهو نفسه ما انتهى إليه المسرح الأوروبي والأمريكي منذ ستينيات القرن نفسه كاتجاه مستقل، ومنذ ما قبل الستينيات كنزوع يُثير نحو هذا الاستقلال، وما نتج عنه عربياً تيارات واتجاهات مسرحية مغرقة في تقنياتها توجهاً بقوة مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي الذي لا يزال يُثير آراء وردود أفعال مختلفة. وسط هذا التدمير المرعب ينهض -حسب ما يرى العواني – مطلب استدعاء بريخت الفنان المفكر كضرورة تاريخية، وقد قلب التفكير المسرحي الدرامي رأساً على عقب بفلسفة اجتماعية تنطلق من الحياة الواقعية المعاصرة، ولهذا كان هم بريخت الإبداعي يتركز على علاقة العرض المسرحي بالجمهور باعتباره شريكاً فعالاً، وليس باعتباره متلقياً سلبياً.
لهذا كله بات المسرح العربي اليوم مرهوناً للمسرح التجاري، الذي كرّس جهوده لامتصاص الجمهور بكلّ فئاته، وقد غدا الترفيه التهريجي شكلاً مخادعاً لأنه يوهم الناس بقضية اجتماعية، ويقبل الجمهور على هكذا مسرح بسبب تجهم عروض المسارح الحكومية، وكآبتها ورطانتها البيروقراطية، رغم أن هذه المسارح اتجهت في كثير من الأحيان إلى تقليد المسارح التجارية بهدف جذب الجمهور، لكنها فشلت بذلك حسب ما يرى العواني، ولما كان المسرح نصاً وصورة، فقد أضحت قضية اللغة في المسرح من أخطر القضايا، لأنها على الأقل أداة اتصال رئيسة بالجمهور المتنوع. وللأسف فقد آل المسرح العربي إلى لهجات محلية مغلقة في بيئتيها، شخصيات ولغة وسلوكاً ثقافياً واجتماعياً، الأمر الذي منع كثيراً تلقي هذه العرض المسرحية من قبل جمهور غير محلي، وهذا يعني أن اللغة الفصيحة المحملة بروح الشعر هي الأكثر فاعلية في تلقي العروض المسرحية العربية.
----